الخطب و المحاضرات
الدروس
حكم
نصائح مهمة
جديد الموقع
انشر الموقع
في الموقع حاليا

الأسرة في القرآن الكريم


صورة










مقدمة:        

أُنزل القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والعلاقاتُ الأسريَّة في فوضى وانحلال عظيم، كما بيَّنَتْ كتب التاريخ[1]، فكان من بين أهداف القرآن السامية: إنقاذُ البشرية من هذا السوء وهذا التفسخ الصارخ؛ لذا لما ندقق النظر في القرآن الكريم نجده يجعل الأسرةَ هي وحدة بناء المجتمع، وأحاطها بسياجٍ كبير من التشريعات والأخلاق التي تضمن لها الجديةَ والنجاح، والاستمرارية في تحقيق الاستقرار للمجتمع بأكمله.

       وزيادة على ما سبق، نجد أن القرآن جعل السبيلَ الوحيد لتكوين الأسرة هو الزواج، بالشكل الذي يحفظ الحُرُماتِ والأنسابَ، ويُلبِّي الغرائزَ الطبيعية في إطار من العفَّة والخصوصية، ويحقق لطرفي الزواج ما يبحثان عنه من السكن والاستقرار، وامتنَّ عليهما بإسباغ المودة والرحمة على تلك العلاقةِ الشريفة، وقد نبَّه القرآن على ذلك في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

وقد قال الإمام الطبري - رحمه الله - في تفسير الآية: "ومن حججه وأدلته على ذلك أيضًا خلقه لأبيكم آدم مِن نَفْسه، زوجةً ليسكن إليها، وذلك أنه خلق حواء من ضلعٍ من أضلاع آدم، خلقها لكم من ضلع من أضلاعه، وجعل بينكم بالمصاهرة والختونة مودةً تتوادُّون بها، وتتواصلون من أجلها، ورحمةً رحمكم بها؛ فعطف بعضكم بذلك على بعض، إن في فعله ذلك لعِبَرًا وعظاتٍٍ لقوم يتذكرون في حجج الله وأدلته، فيعلمون أنه الإله الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يتعذر عليه فعل شيء شاءه"[2].
ويقول سيد قطب - رحمه الله - حول هذه الآية: والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر، وتشغل أعصابَهم ومشاعرهم تلك الصلةُ بين الجنسين، وتدفع خُطاهم وتحرِّك نشاطَهم تلك المشاعرُ المختلفةُ الأنماطِ والاتجاهات بين الرجل والمرأة، ولكنهم قلَّما يتذكَّرون يد الله التي خلقتْ لهم من أنفسهم أزواجًا، وأودعتْ نفوسَهم هذه العواطفَ والمشاعر، وجعلتْ في تلك الصلة سكنًا للنفس والعصب، وراحةً للجسم والقلب، واستقرارًا للحياة والمعاش، وأُنسًا للأرواح والضمائر، واطمئنانًا للرجل والمرأة على السواء.
والتعبير القرآني اللطيف الرفيق، يصور هذه العلاقة تصويرًا موحيًا، وكأنما يلتقط الصورة من أعماق القلب وأغوار الحس: {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}، {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، فيدركون حكمة الخالق في خَلْق كلٍّ من الجنسين على نحوٍ يجعله موافقًا للآخر، ملبيًا لحاجته الفطرية: نفسية، وعقلية، وجسدية؛ بحيث يجد عنده الراحةَ والطمأنينة والاستقرار، ويجدان في اجتماعهما السكنَ والاكتفاء، والمودة والرحمة؛ لأن تركيبهما النفسي والعصبي والعضوي ملحوظٌ فيه تلبيةُ رغائب كلٍّ منهما في الآخر، وائتلافهما وامتزاجهما في النهاية، لإنشاء حياة جديدة، تتمثل في جيل جديد[3].
و من هنا، فإنّ واقعنا المعيش يفرض علينا إعادة النظر في تكوين الأسرة المسلمة الحقة، بعد تعرضها لهجمات من شتى الجهات، جعلتها تفقد دورها المنوط بها، ووجدنا أُسَرًا مسلمة، صورة لا حقيقة، تبحث عن فستان لها في حقول المعرفة التغريبية؛ مما جعلها تصاب بانفصام عميق في شخصيتها.
هذا وغيره دفعنا لنبحث عن: كيف نظر القرآن الكريم لهذه الأسرة؟ وكيف نظر لأصول تكوينها وتفرعها؟
هذا ما سيقف عنده البحث من خلال تتبع مفاهيم الأسرة في القرآن وأصول تكوينها وتفرعها؛ لنخلص إلى نظرية قرآنية حول نظام تكون الأسرة [4].
مفهوم الأسرة في القرآن الكريم:
من خلال تتبعي لكلمة أسرة في قواميس اللغة، وجدتها تدل عمومًا على الحبس، الذي هو مرادف للإمساك، ومن ذلك الأسير، وكانوا يشدُّونه بالقِدِّ، وهو الإسار، فسُمي كلُّ أخيذٍ وإنْ لم يُؤْسرْ: أسيرًا؛ قال الأعشى:
وَقيَّدَني الشِّعْرُ في بيته = كما قَيَّد الآسِراتُ الحِمارَا[5]
الأُسْرَةُ: الدِّرْعُ الحصينة، وأَنشد: والأُسْرَةُ الحَصْدَاءُ، والْبَيْضُ المُكَلَّلُ، والرِّمَاح، وأَسَرَ قَتَبَهُ: شدَّه، ابن سيده: أَسَرَهُ يَأْسِرُه أَسْرًا وإِسارَةً: شَدَّه بالإِسار،
والإِسارُ: ما شُدّ به، والجمع أُسُرٌ، الأَصمعي: ما أَحسَنَ ما أَسَرَ قَتَبَه؛ أَي: ما أَحسَنَ ما شدّه بالقِدِّ؛ والقِدُّ الذي يُؤسَرُ به القَتَبُ يسمى الإِسارَ، وجمعه أُسُرٌ؛ وقَتَبٌ مَأْسور وأَقْتابٌ مآسير، وأُسْرَةُ الرجل: عشيرته ورهطُه الأَدْنَوْنَ؛ لأَنه يتقوى بهم.[6]
وعلى ما سبق؛ فالأسرة مفهوم واسع وشامل، ولم يرد لفظها صريحًا في القرآن الكريم، ولكن جاءت مرادفاتها[7]، ولقد عرّف كل علماء تخصص معين الأسرة بحسب منظورهم لذلك التخصص، فلقد عرفها علماء الاجتماع، مثلاً، بأنّها: "الجماعة الإنسانية التنظيمية المكلفة بواجب استقرار المجتمع وتطوره"[8].
إذًا، فالأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى التي يتكون منها المجتمع؛ فنواة هذه البشرية التي تصل المليارات، هي تلك الخلية الأولى التي تكونت من الأم والأب اللذين ارتبطا برباط شرعي يقرُّه المجتمع، سواء كان ذلك الرباط مستمَدًّا من تعاليم الوحي؛ كما في مجتمعات المسلمين وأتباع الأديان السماوية الأخرى، أو من أعراف المجتمعات.
وهي خلية اجتماعية تتكون في ظل شروط معينة، وتستلزم منظومة من الواجبات والحقوق بين أطرافها، لكن أهمية الأسرة ليست منحصرة في التكاثر البشري، بل أهميتها تتجاوز ذلك إلى الضبط السلوكي، وإقامة المعيار الأخلاقي، في ظل تعاهد مستمر من ركنَي الأسرة للأبناء؛ حيث يشرب الأبناء الأخلاق والمبادئ، ويُغذوا بالثقافة التي توجههم في سلوكهم المستقبل حينما يتعاملون مع بقية أفراد المجتمع، وربما كانت هذه المهمة الثانية للأسرة تفوق المهمة الأولى؛ فإن قلة الأفراد مع وجود التوجهات السليمة والأخلاق المنضبطة، خيرٌ من كثرة منحرفة، لا تظلِّلها الأبوة، ولا ترعاها الأمومة، فتنشأ نشأة سيئة، فتكون مصدر شقاء وإفساد في المجتمعات، والمهمتان المذكورتان مركوزتان في الفطرة البشرية؛ ولذا لما جرَّبت المذاهب الإلحادية إلغاء كيان الأسرة في القرن الماضي، لم يمضِ إلا زمن يسير حتى تراجعت عن هذا التجاوز المفرط لركائز الفطرة التي أودعها الله سبحانه النفس البشرية.
أصول تكوين الأسرة في القرآن الكريم:
إن المتتبع لآيات القرآن الكريم في حديثها عن أصول تكوين الأسرة، يجد أنها فصَّلت في نشأة الأسرة، وبينت بيانًا لا يدع للَّبْس مجالاً، بل نرى القرآن الكريم يتحدث عن أصل البشرية وبداياتها الأولى، وفي هذا يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
فهذه الآية تبين وتوحي "بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة؛ فقد شاء الله أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة؛ فخلق ابتداءً نفسًا واحدة، وخلق منها زوجها؛ فكانت أسرة من زوجين، {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}، ولو شاء الله لخلق، في أول النشأة، رجالاً كثيرًا ونساءً، وزوّجهم؛ فكانوا أُسرًا شتّى من أول الطريق؛ لا رَحِم بينها من مبدأ الأمر، ولا رابطة تربطها، إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد، وهي الوشيجة الأولى"[9].
ولكنَّ الله - سبحانه وتعالى - شاءت قدرته، لأمر يعلمه، ولحكمة يقصدها، أن "يضاعف الوشائج؛ فيبدأ بها من وشيجة الربوبية، وهي أصلُ وأوَّلُ الوشائج، ثم يُثنِّي بوشيجة الرحم، فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى، هما من نفس واحدة، وطبيعة واحدة، وفطرة واحدة، ومن هذه الأسرة الأولى يبث رجالاً كثيرًا ونساءً، كلهم يرجعون ابتداءً إلى وشيجة الربوبية، ثم يرجعون بعدها إلى وشيجة الأسرة، التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني، بعد قيامه على أساس العقيدة"[10].
فإذا نظرنا في هذا المجتمع الإنساني، بشتى تمظهراته، لَلَمحْنا فيه التنوع في خصائص الأفراد واستعداداتهم، بعد بثهم من نفس واحدة وأسرة واحدة، على هذا المدى الواسع، الذي لا يتماثل فيه فردان قط تمام التماثل، "على توالي العصور، وفيما لا يُحصَى عدده من الأفراد في جميع الأجيال، التنوع في الأشكال والسمات والملامح، والتنوع في الطباع والأمزجة، والأخلاق والمشاعر، والتنوع في الاستعدادات والاهتمامات والوظائف، إن نظرة إلى هذا التنوع المنبثق من ذلك التجمع لَتشي بالقدرة المبدعة على غير مثال، المدبرة عن علم وحكمة، وتطلق القلب والعين يجولان في ذلك المتحف الحي العجيب، يتَمَلَّيان ذلك الحشد من النماذج التي لا تنفد، والتي دائمًا تتجدد، والتي لا يقدر عليها إلا الله، ولا يجرؤ أحد على نسبتها لغير الله؛ فالإرادة التي لا حد لما تريد، والتي تفعل ما تريد، هي وحدها التي تملك هذا التنويع الذي لا ينتهي، من ذلك الأصل الواحد الفريد"[11].
وعلى ما سبق، ندرك سر اعتناء النظام الإسلامي بالأسرة ورعايتها من شتى عوامل الهدم، وهذه "العناية بتوثيق عراها، وتثبيت بنيانها، وحمايتها من جميع المؤثرات التي توهن هذا البناء، وفي أول هذه المؤثرات مجانبة الفطرة، وتجاهل استعدادات الرجل واستعدادات المرأة، وتناسق هذه الاستعدادات مع بعضها البعض، وتكاملها لإقامة الأسرة من ذكر وأنثى"[12].
ولذلك عندما ندقق النظر في سورة النساء، مثلاً، وفي غيرها من السور، نلمح حشدًا "من مظاهر تلك العناية بالأسرة في النظام الإسلامي، وما كان يمكن أن يقوم للأسرة بناء قوي، والمرأة تلقى تلك المعاملة الجائرة، وتلك النظرة الهابطة التي تلقاها في الجاهلية، كل جاهلية؛ ومن ثم كانت عناية الإسلام بدفع تلك المعاملة الجائرة، ورفع هذه النظرة الهابطة"[13].
وزيادة على ما مضى، فإن أصل تكوين الأسرة واضح من خلال النصوص القرآنية التي تبرز تلك الأصول، وفي ذلك يقول تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} [فاطر: 11]؛ أي: ابتدأ خلق أبيكم آدم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا} [فاطر: 11]؛ أي: ذكرًا وأنثى؛ لطفًا منه ورحمة أن جعل لكم أزواجًا من جنسكم؛ لتسكنوا إليها، وفي قوله تعالى: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11]؛ أي: هو عالم بذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، بل {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59]، والمعنى يزداد وضوحًا وتأكيدًا في قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 8، 9].
ولا غرو، والحال ما ذُكِر، أن نلمح الشريعة الإسلامية تعتني بالأسرة غاية العناية في تكوينها، ورعايتها بعد ذلك التكوين، من خلال منظومة تشريعية دقيقة مفصلة؛ حتى إننا لنرى آيات تنظيم الشأن الأسري في القرآن الكريم برُمته تفوق من حيث العددُ آياتِ المعاملات المالية، مع كثرة تلك المعاملات وتنوعها؛ وفي ذلك برهان جلِيٌّ على أن هذه الخلية البشرية تستحق كل هذه العناية والرعاية من الشريعة المطهرة، ونلمح أيضًا تلك العناية واضحة جلية في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وكأن في وصف هذه الرابطة بأنها آية مزيدَ إغراء بتأمل جوانب النعمة في هذا الرباط، وتلمُّس وجوه الأنس فيه، وتدبُّر الثمرات الدينية والدنيوية، وكلما كان التأمل أعمق، كان الاعتزاز بهذا الرباط أوثق، والحرص على بقائه متينًا قويًّا أشد، ثم يمتد هذا الاعتزاز والتقدير إلى محيط الأسرة الواسع؛ إذ الأسرة في الإسلام لا تقتصر على الزوجين والأولاد فقط؛ وإنما تمتد إلى شبكة واسعة من ذَوِي القُرْبى من الأجداد والجدات، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وغيرهم ممن تجمعهم رابطة النسب أو المصاهرة أو الرضاع، أينما كان مكانهم.
 ومن لطائف الشريعة المباركة: إغراء الأبناء بتقدير هذه العلاقة، وتوقير هذه الأسرة؛ من خلال الوعد بحصول البركة والخير في أغلى ما يملك الإنسان من متع الحياة الدنيا، وهما: متعة العمر والمال، يقول صلى الله عليه وسلم: ((من أحبَّ أن يُبسَط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه))[14].
وكما هو معلوم، فإن الإسلام دين الفطرة، يلائم دائمًا طبيعة الإنسان وغرائزه، ويلبي هذه الغرائز بوضعها في إطار مشروع، وغريزة الجنس، مقارنة بالغرائز الأُخرى، من أقوى الغرائز البشرية؛ لذلك اهتم بها الإسلام، ووضع لها الطريق الطبيعي والأمثل للتنفيس عنها، وهو الزواج؛ فهو الطريق الوحيد لبناء المجتمع الفاضل، والعلاقة الوحيدة المشروعة بين الرجل والمرأة.
ومن هنا، أمر القرآن الكريم بالزواج، فقال: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32]، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وحثّ الرسول صلى الله عليه وسلم على الزواج وجعله نصف الدين، فقال: ((إذا تزوج العبد، فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الباقي))[15]، وقال: ((من أراد أن يلقى الله طاهرًا مُطهَّرًا، فليتزوج الحرائر))[16]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من أحب فطرتي، فليستن سنتي، وإن من سنتي النكاح))[17]، ويسَّر الرسول صلى الله عليه وسلم طريق الزواج؛ فقد زوَّج أحد الصحابة على ما يحفظه من كتاب الله على أن يُحفظه لزوجته، وعن علي رضي الله عنه: "جهّز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل وقربة ووسادة حشوها إذخرة نبات".
وعن جابر قال: "حضَرْنا عرس عليٍّ وفاطمة، فما رأينا عُرْسًا كان أحسن منه؛ حشونا الفراش، يعني الليف، وأُتِينا بتمر وزبيب فأكلنا، وكان فرشها ليلة عرسها إهاب كبش"[18].
هكذا جُهزت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكي تكون سلفًا ومثلاً للمسلمين، وأما الذين لا يستطيعون الزواج، فقد وجههم الإسلام وجهات أخر تكفيهم شرَّ الوقوع في الخطأ، ومن هنا كان قول الرسول صلى الله عليه وسلم للشباب: ((يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، وإلا فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)).
كما أمر القرآن بالاستعفاف والطُّهر، فقال: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33]، ثم رسم القرآن الكريم المثل الأعلى لعفة الشباب في هذه البطولة النفسية، التي تتجلى في قصة يوسف عليه السلام، وجعلها أنموذجًا رائعًا لانتصار العقل على الهوى؛ حيث استعصم بدينه وتقواه، بعد أن راودته امرأة العزيز، وقال: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33].
ومن أجل هذا، كان توجيه الرسول للشباب باستفراغ طاقاتهم في الرماية والسباحة وركوب الخيل، وكان ينادي في الشباب: ((يا شباب قريش، احفظوا فروجكم لا تزنوا، ألاَ من حفظ فرجه فله الجنة))[19].
وإذا كان الإسلام قد شرع النكاح، فقد حرَّم السفاح، وحذر من مجرد الاقتراب منه بقول الله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} [الإسراء: 32]، وسد الإسلام كل الأبواب التي تؤدي إليه، فوجّه المسلمين إلى غض البصر؛ ومن هنا فلا يحل للمسلم أن ينظر إلى المحرمات بملء العين، وعليه أن يكف النظر عما لا يحل له بخفضه إلى الأرض أو بصرفه إلى جهة أخرى، ومن هنا كان الأمر القرآني: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [النور: 30]، {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31]، وقال رسول الله: ((ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفت عن محارم الله))[20]؛ وذلك سدًّا للذرائع؛ فإن النظرة بريد الزنا، وهي سهم من سهام الشيطان، كثيرًا ما يوقع الإنسان في الخطايا، والإسلام يريد أن يسد هذا الباب؛ لكي يحيا المجتمع المسلم حياة طاهرة نقية، يأمن فيه المسلم على بناته وزوجاته وأخواته.
وعلى هذا، فإن الزواج بالشكل الذي أقرَّه الإسلامُ حَفِظَ للمرأة كرامتَها ومكانتها، وللرجل شرفَه وعِرضَه، وجعل من هذه العلاقة سياجًا يحمي الطرفين من الخطأ، وجعل من هذه الأسرة نواةً لبناء مجتمع مسلم طاهر عفيف، ويظهر ذلك جليًّا في هذا المخطط:

وكان لا بد، والوضع كما بيَّنه المخطط، أن تكون إجراءات الزواج تحقِّق تلك الغايةَ، وقد راعى الإسلام ذلك بالفعل، فجعل لإتمام الزواج مراحلَ ومراسمَ؛ فهناك الخِطبة، ثم عقد الزواج، فالبناء (الزفاف)، وكل هذه مراحل من باب تكريم هذا العقد، وإعطائه قوةً ونفوذًا في المجتمع، فإذا جئنا لتفاصيل تلك المراحل، نجد أنه قبل الخِطبة لم يَعرِف الإسلام إجبارَ أحد طرفي الزواج عليه، بل لا بد من تحقُّق القَبول والموافقة التامة، المبنيَّة على المعرفة الكاملة، والرضا التام؛ لذا شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيةَ الرجل مَن يريد خطبتها؛ فعن المغيرة بن شعبة قال: خطبتُ امرأةً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنظرتَ إليها؟))، قلت: لا، قال: ((فانظر إليها؛ فإنه أجدر أن يؤدم بينكما))[21].

وكذلك جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من حق الفتاة أن تَقبَل أو ترفض، ولا سلطةَ لأحد، مهما كان، في أن يفرض عليها مَن لا ترغبُه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا تُنكَح البِكْرُ حتى تُستَأذَن، ولا الثيبُ حتَّى تُستَأمَر))، فقيل: يا رسول الله، كيف إذنها؟ قال: ((إذا سكتتْ))[22].
وقد ردَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أمْرَ مَن أجبرها أبوها على الزواج إلى نفسها؛ فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: "جاءتْ فتاةٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: "يا رسول الله، إنَّ أبي زوَّجَني ابنَ أخيه؛ يرفع بي خسيستَه"، فجعل الأمر إليها، قالت: "فإني قد أجزتُ ما صنع أبي، ولكن أردتُ أن تعلم النساءُ أن ليس للآباء من الأمر شيء"[23].
كل هذه الشروط من أجل أن يقوم بناءُ الأسرة على التراضي، فيكون الطرفان مهيئَيْن لإقامة علاقة زوجية ناجحة سعيدة.

و ليس هذا فحسب، بل حرصًا من الإسلام على نجاح ذلك المشروع، ورغبةً منه في بنائه على أساس سليم ومتين؛ فإنه قد شرع الخِطبة، وهي الفترة ما بين تقدُّم الرجل للمرأة، وبين عقد الزواج؛ بحيث يستطيع الرجل زيارةَ بيت المرأة في وجود أهلها إن احتاج ذلك؛ لكي يستطيع كل واحد منهما أن يتعرَّف على شخصية خطيبه وطباعه، وذلك دون خلوة بالطبع، ومع الالتزام بالضوابط الشرعية المرعية، فبعض الناس قد يحتاج لهذا.

ثم يأتي عقد الزواج بعد أن يركن كلٌّ لصاحبه، وهنا يثبت للمرأة حق الصَّداق، وهو المهر الذي يدفعه الرجل للمرأة، ولا يحلُّ له ولا لغيره - كأبيها وأخيها - أن يأخذ منه شيئًا بغير رضاها، يقول تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4].
ولإتمام هذا العقد، يشترطُ الإسلامُ وجودَ الوليِّ، والشهود، والإشهار؛ فالأسرة في الإسلام لا تُبنَى في الخفاء، بل هي كيان كريم، وعلاقة شريفة، ينبغي أن يشهدها المحيطون، ويفرح بها الأهل؛ فعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي))[24]، وعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذْنِ وليِّها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل))[25]، وعلى الزوج أن يُولِم للمدعوين؛ لإتمام الفرحة.
ولهذا؛ إذا تتبعنا هذه القضية في القرآن الكريم، نجد أن عباد الرحمن لا يكفيهم أنهم يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، وأنهم يتسمون بتلك السمات العظيمة كلها، بل يرجون أن تعقبهم ذرية تسير على نهجهم، وأن تكون لهم أزواج من نوعهم، فتقَرَّ بهم عيونهم: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 74 - 76][26]، وتطمئن بهم قلوبهم، ويتضاعف بهم عدد (عباد الرحمن)، ويرجون أن يجعل الله منهم قدوة طيبة للذين يتقون الله ويخافونه: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، وهذا هو الشعور الفطري الإيماني العميق، شعور الرغبة في مضاعفة السالكين في الدرب إلى الله، وفي أولهم الذرية والأزواج؛ فهم أقرب الناس تبعة، وهم أول أمانة يُسأل عنها الرجال، والرغبة كذلك في أن يحس المؤمن أنه قدوة للخير، يأتمّ به الراغبون في الله، وليس في هذا من أثرة ولا استعلاء، فالركب كله في الطريق إلى الله[27].
وتأكيدًا على تلك الرابطة، وتدعيمًا لها، جعل الإسلام بين الزوجين حقوقًا متبادلة، منها ما هو مشترك، ومنها ما يختص بكل طرف؛ فمن الحقوق المشتركة بين الزوجين: المودة والرحمة، والأمانة والثقة، والرِّفق وطلاقة الوجه، ولين الخطاب، والاحترام، وقد قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وذكر القرآن المساواة بين الزوجين في الحقوق بقوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].


ومما لفت انتباهي وأنا أتدبر في آيات القرآن الكريم، فيما له صلة بالموضوع، أنه جعل للزوجة حقوقًا مستقلة، يمكن أن نجملها في النقط التالية:
1- ضرورة رعاية الزوج لزوجته، وحسن معاملتها، فقد قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، وفي الحديث المؤكِّد لهذا الحق: ((ألاَ واستوصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا؛ فإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عندَكُم، ليس تَملِكُونَ منهنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذلك))[28]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا: ((أَكْمَلُ المؤمنينَ إِيمانًا أحسَنُهُم خُلُقًا، وخِيارُكُمْ خِيارُكُم لِنِسائِهِم))[29]، ويقول: ((خيرُكُم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي))[30].
2- واجب الإنفاق على زوجته، ولو كانت غنيَّة، يقول الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، ويقول: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]، وفي السُّنة نجد النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على ضرورة الإنفاق؛ فقد سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حَقُّ زوجةِ أحدِنا عليه؟ فقال: ((أنْ تُطْعِمَها إذا طَعِمْتَ، وَتكْسُوَها إِذا اكْتَسَيْتَ، ولا تَضْرِبِ الوجْهَ، ولا تُقَبِّحْ، ولا تَهْجُرْ إِلاَّ في البيت))[31].
3- وجوب تعليم الزوجة وإلزامها تعاليم الإسلام وآدابه، وهذا هو المعنى الحقيقي والشامل للفظ القوامة، فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والرَّجُلُ في أَهْلِهِ راعٍ وهو مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِه))[32].
4- حفظ سرِّها، وحُسن معاملة أقاربها؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ مِن أَشَرِّ الناسِ عندَ اللهِ مَنْزِلَةً يومَ القِيامةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إلى امْرَأَتِهِ وتُفْضِي إليه، ثم يَنْشُرُ سِرَّهَا))[33].
 
وأمَّا  فيما يخص حقوق الزوج على زوجته، فمنها ما يلي:
1- طاعة الزوج في غير معصية، وحذر من الناشز في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]، ونحن نعرف الحديث المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ))ألاَ أُخْبِرُكَ بِخيرِ ما يَكْنِزُ المَرْءُ؟ المَرأةُ الصَّالِحَةُ؛ إذا نَظَرَ إليها سَرَّتْهُ، وإذا أَمَرَها أَطاعَتْهُ، وإذا غَابَ عنها حَفِظَتْهُ(([34].
2- صيانة عرضه وماله، {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34]، وقد ورد الحديث: ((والمرأةُ في بيتِ زوجِها راعِيَةٌ))[35].
3- ألاَّ تخرج من بيتها إلا بإذنه؛ فقد ورد: ((إذا اسْتَأْذَنَتِ امرأةُ أحدِكُم إلى المسجد، فلا يَمْنَعْها))[36]، وهذا يعني أن الزوجة لا يجوز أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها.
4- حفظ سرِّه، وحسن معاملة أقاربه، وفي ذلك يقول تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34]، وقد ورد في الحديث ما يجمع كلَّ الحقوق، في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لو كنتُ آمِرًا أحدًا أن يَسْجُدَ لأَحَدٍ، لأَمَرْتُ المرأةَ أنْ تَسجُدَ لِزوجِها))[37].
وكما جعل الإسلام للآباء حقوقًا على الأبناء وعظَّمها، جعل كذلك للأبناء حقوقًا حثَّ الآباءَ على أدائها، منها:
1- حسن تسميتهم، والعقيقة عند مولدهم؛ فقد جاء رجلٌ إلى النبي فسَأَلَهُ عن اسْمِهِ، قال: اسْمِي حَزْن، فقال: ((بل أنتَ سَهْل))[38]، ومثله: أنه صلى الله عليه وسلم غَيَّرَ اسم عاصِيَة، قال: ((أنتِ جَمِيلَة))[39].
وفي العقيقة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الغُلامُ مُرتهنٌ بعَقِيقَتِهِ؛ يُذبَحُ عنه يومَ السَّابِعِ، ويُسَمَّى، ويُحلَقُ رَأسُه))[40].

2- الرفق بهم، والعدل بينهم، والتسوية في المعاملة بين البنين والبنات، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فاتَّقُوا اللهَ واعْدِلُوا بين أولادِكُم)).
3- الإنفاق عليهم، وحسن رعايتهم وتربيتهم، وذلك أمر فِطْري جُبِلَت عليه النفوسُ السويَّة.
4- تثقيفهم وتربيتهم على تعاليم الإسلام وآدابه، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6]، وفي الحديث: ((مُرُوا أولادَكُم بالصلاة وهم أبناءُ سَبْعِ سنين، واضرِبُوهم عليها وهم أبناءُ عَشْر، وفَرِّقُوا بينهم في المَضاجِع))[41].
ويبيِّن الرسول صلى الله عليه وسلم مسؤولية الوالدين عن تديُّن أبنائهما بقوله: ((كل مولودٍ يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يُمَجِّسانه))[42]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما نَحَل والدٌ ولدَه أفضلَ مِن أدبٍ حسَن))[43].
هكذا وضع الإسلام أسس الحقوق الأسرية المتبادلة، وجعل ما يتفرع عن هذه الصلات الأساسية: الأبوة، والبنوة، والزوجية - محلَّ تكريمٍ، ومراعاة لتلك الحقوق أيضًا؛ فصِلَة الأخوَّة مشتقة من الأبوة والبنوة؛ لأن الإخوة جاؤوا من طريق الأبوين، أو أحدهما، وأقارب الأم والأب جاؤوا من طريقهما كذلك، فرعايتهم مرتبطة برعاية الأبوة والأمومة.
 
أصول تفرع الأسرة في القرآن الكريم:
        لم يقف القرآن الكريم عند حدود الأسرة، بل لقد تعرَّض لثمراتها، وهي الأولاد، وقد تعرَّض أيضًا لبيان حالها، ومدة الحمل والرضاع، وحال الأم في حال الحمل، فقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15]، وقد بَيَّنَ القرآن الكريم وقت الرضاعة، وعلى من تَجب، وبيَّنَ نفقة الولد، وعلى من تجب، فيقول سبحانه وتعالى:
{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233].
 
لضمان ذرية شريفة نظيفة؛ وضع الإسلام قواعد لعقد الزواج لا بد من رعايتها، "فلا يجوز الزواج من ملحدة تكفر بالله واليوم الآخر، ولا من وثنية تؤمن بتعدد الآلهة؛ فإنّ امرأة من هذا الصنف لن يُوقِفها حدّ من حدود الله، ولن تفرق بين الإحصان والإباحة، ولا بين العفاف والخنا"[44]؛ لهذا قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221].
ولقد عُنِيَ الإسلام أيضًا بالمحافظة على الأولاد إذا فقدوا آباءهم، وهم اليتامى، وعني منهم بأمرين؛ أولهما: المحافظة على أموالهم، فيقول - سبحانه وتعالى -: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152]، ويقول - سبحانه وتعالى -: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2]، ولحرص الإسلام على أموالهم من أن تتبعثر أو تذهب؛ نَهَى الأوصياءَ عن أن يعطوهم أموالهم قبل أن يُدربوهم على إدارة أموالهم، فقال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا * لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 5 - 10]، وهكذا نجد القرآن الكريم حثَّ على المحافظة على أموال اليتامى، ونظم طريق المحافظة عليها بعد أن تُسلَّم إليهم.
الأمر الثاني الذي حث عليه القرآن الكريم بالنسبة لليتامى: أنَّه منع قهرهم، وإذلال نفوسهم؛ لكيلا تكون لهم عقد نفسية تحُول بينهم وبين الاندماج في الأمة؛ ولذلك أمر الله نبيه بألا يقهر يتيمًا، فقال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ} [الضحى: 9].
وقد أمر المؤمنين الصادقين أن يضمّوا اليتامى إلى أُسَرهم، ويكونوا كأولادهم؛ حتى لا يشعروا بذل اليُتم، فقد قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} [البقرة: 220]، وعُني الإسلام باليتامى لكيْلا ينشؤوا نافرين من الجماعة؛ فيكون منهم المشرَّدون، وقطَّاع الطرق، ويكونوا حربًا على أمنها؛ فيكونوا ذئاب الجماعة، وهم إن أحسنت تنشئتهم يكونون قوة عاملة نافعة، وكذلك الأمر في كل مسكين أذلَّته الحاجة وقهره الفقر، فإنه يكون قوة إن أُكرِم، وعاملاً هدَّامًا إن قُهِر ومُنِع، وهؤلاء هم العقبة إن لم يُكرَموا؛ ولذلك قال الله تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 11 - 17].
وكما أوجب الإسلام رعاية اليتامى، والقيام على شؤون الأولاد وتربيتهم على المودة والرحمة والنزوع الاجتماعي، أمر الأولاد بإكرام الوالدين، والإحسان يقترن بالأمر بعبادة الله وحده، ومن ذلك قوله تعالى{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36].
ومن هنا، وجدنا القرآن الكريم يضع حقوقًا متبادلة لأفراد الأسرة على بعضهم بعضًا؛ لأن الأصل في العلاقات الأسرية أن تقوم على المحبة، والمودة، والإيثار، وسعْي كل طرف لإسعاد الأطراف الأخرى، ولكن ذلك لا يمنع أن يُرشِد الإسلام ويوجب على كل طرف واجباتٍ للأطراف الأخرى؛ وذلك من أجل ردِّ المقصر وتنبيهه، ومن هذه الحقوق الأساسية: بِرُّ الوالدين، وطاعتهما، وتكريمهما، وخاصة في الكِبَر؛ فقد قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24].
بل بين القرآن الكريم سبب هذه الطاعة الواجبة على الأبناء تجاه الوالدين في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].
ولهذا نجد في السنة المطهرة، باعتبارها شارحة للقرآن، تأكيدًا على هذه الفكرة، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رَغِم أَنْفُه، رغم أنفه، رغم أنفه))، قيل: مَن يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((مَن أَدرَكَ والِدَيْهِ عند الكِبَرِ، أحَدَهُما أو كِلَيْهِمَا، ثم لم يَدْخُلِ الجنةَ))[45].
ومن حقوق الوالدين على أبنائهما أيضًا: بِرُّهما والإحسان إليهما، ولو كانا مشركَيْن؛ ففي رواية أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: "قَدِمَتْ عَليَّ أُمِّي وهى مُشرِكَة، فاسْتَفْتَيْتُ رسولَ الله، فقلت: يا رسولَ الله، قدمتْ عليَّ أمِّي وهي راغبةٌ، أَفَأَصِلُ أمِّي؟"، قال: ((نعم، صِلِي أُمَّكِ))[46].


ومن هذه الحقوق أيضًا: إنفاذُ وصيتهما، وإكرام صديقهما؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ مِن أَبَرِّ البِرِّ صِلَةَ الرجُلِ أهلَ وُدِّ أبيه بعد أنْ يُوَلِّي))[47].
وسُئِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل بَقِيَ عليَّ مِن بِرِّ والِدَيَّ من بعدِ موتِهِما شيءٌ أبرُّهُما به؟ قال: ((نعم، الصلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهدِهِما من بعدهما، وصِلَةُ الرَّحِمِ التي لا تُوصَلُ إلاَّ بهما، وإكْرامُ صديقِهِما))[48].
وقد حذَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من عقوق الوالدين، وعدم البر بهما، فقال: ((ألا أُنبئُكُم بأكبرِ الكبائر؟)) (ثلاثًا)، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالِدَيْن))[49].


 
ويذكر الله تعالى وصايا لقمان لابنه: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 13 - 15].
ولقد حرص القرآن على الوصية بالوالدين عندما يصيبهما الضعف، ويكونان في حاجة إلى النظرة الرفيقة الطيبة، فيقول - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23].
وهكذا يربي القرآن الكريم الأسرة، ويقيمها على دعائم من المودة والرحمة، ورعاية القوي للضعيف، ورحمة الكبير بالصغير، وإكرام الصغير للكبير.
إن العلاقاتِ الأسريةَ علاقات مؤبدة، لا تنتهي ولا تنفصم، حتى بالموت، فقد حافظ التشريع الإسلامي على هذه العلاقات، وصانها بعد انتهاء حيوات أصحابها، ومما يدل على ذلك أن الإسلام شرع الميراث بين الأقارب بعد موت أحدهم، وجعل نصيب كل وارث حسب قرب صلته بالمتوفَّى، ولم يقل: إن الصلة بينهم قد انتهت، ولا يحق لأحد في مالِ أحدٍ نصيبٌ، فقد وردت أحكام المواريث وتقسيمها في أربع آيات من سورة النساء، هي قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7]، وقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11]، وقوله: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء: 12]، وفي قوله تعالى أيضًا: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176].
وهكذا نرى كيف كرَّم الإسلام الأسرة، واهتمَّ بمتانة الروابط والعلاقات الأسرية، من خلال منظومة متكاملة من التشريعات والقواعد، فسبحان مَن هذه شريعتُه!
و لهذا كله؛ حازَتِ الرحم قدرًا كبيرًا من الاهتمام في الإسلام؛ فقد أمر الله - عز وجل - برعايتها وصلتها، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يؤكِّد المرة تلو المرة على وجوب حفظها قولاً وفعلاً؛ لذا وجدنا آيات القرآن تأمر بإيتاء ذي القربى حقه، فيقول تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الروم: 38]، وبيَّن - سبحانه وتعالى - أن ذوي الأرحام أولى بأقاربهم في الميراث، فقال: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75]، ووصف القرآن المؤمنين المتقين بأنهم: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21]، وأوضح سبحانه أن الرحم ذات فضل كبير؛ حيث يتناشد بها الناس، فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء: 1]، وحذَّر - عز وجل - من قطيعة الرحم، وجعلها قرينة للإفساد في الأرض: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22]، وجاءت السنة كذلك مؤكدة لما جاء في القرآن؛ فجعل صلى الله عليه وسلم صلة الرحم علامة الإيمان، فقال: ((ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلْيَصلْ رحمَه))[50]، وذكر أنها من الأعمال التي يكافئ الله - عز وجل - عليها بالرزق الواسع؛ ففي الحديث: ((مَن أحبَّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثَرِه، فليصل رحمه))[51]، وأوصى بمراعاة ذوي الأرحام الفقراء؛ فعنه صلى الله عليه وسلم: ((الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقةٌ، وصلة))[52]، وبيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم ليست مقصورة على من يصلك منهم، بل الصلة الحقيقية هي لمن يقطعك وتصله، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعَتْ رحمُه وصلها))[53].
وقد أمر صلى الله عليه وسلم بصلة الأرحام، ولو كانوا هم لا يَصِلُون مَن يصلهم، وما ذلك إلا لمكانة الرحم عند الله - عز وجل - وثوابها العظيم، وفائدتها في حفظ أواصر الأسرة المسلمة، فقد يرجعون بعد حين، ويتَّقون الله - عز وجل - ويصلون أرحامهم، فقد قال رجل: "يا رسول الله، إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني، وأُحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ؟"، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لئن كنتَ كما قلتَ، فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دُمتَ على ذلك))[54].
وأخيرًا: تأتي الأحاديث التي تبيِّن كيف تعامَل الله - عز وجل - مع الرحم، وكيف كرَّمها؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((الرحم معلَّقةٌ بالعرش تقول: مَن وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله))[55].
ويقول: ((خلَق الله الخَلْق، فلما فرغ منه قامَتِ الرحم، فقال: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: ألا ترضَيْن أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟))[56].
وفى الحديث القدسي يقول الله - عز وجل -: ((أنا الله، وأنا الرحمن، خلقتُ الرحم وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلتُه، ومن قطعها قطعتُه))[57].

جعل الإسلام للقرابة أثرًا في المغنَم والمغرَم؛ فكما شرع الميراث - كما سنرى في المبحث التالي - فإنه شرع بداية تحمل المسؤولية المتضامنة بين أفراد الأسرة الواحدة، ومن ذلك أن الإسلام أوجب الدية على عاقلة القاتل عند القتل الخطأ[58]، والعاقلة هم العصَبَات (الذكور من أقارب الإنسان)، فلا يدخل في العاقلة الإخوة لأم، ولا الزوج، ولا سائر ذوي الأرحام.

ويدخل في العَصَبة سائر العصبات مهما بعدوا؛ لأنهم عصبة يرثون المال إذا لم يكن وارث أقرب منهم، ولا يشترط أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب، تجب عليهم الدية، ولا تكلف العاقلة ما يشق عليها؛ لأنه لزمها من غير جناية، بل على سبيل المواساة.

ولهذه المسألة تفصيلات في كتب الفقه، ليس محلُّها هذا البحثَ، ولكن ما يخصنا هنا هو سبب إيجاب الدية على العاقلة، وما نراه من أسباب هو ما أورده عبدالقادر عودة في كتابه: "التشريع الجنائي في الإسلام"، إذ يقول في شرح أسباب تحميل العاقلة الديةَ:
1- إن العاقلة تحمل الدية في جرائم الخطأ، وأساس جرائم الخطأ هو الإهمال وعدم الاحتياط، وهذان سببهما سوء التوجيه وسوء التربية غالبًا، والمسؤول عن تربية الفرد وتوجيهه هم المتصلون به بصلة الدم؛ فوجب لهذا أن تتحمل أولاً عاقلةُ الجاني نتيجة خطئه، وأن تتحمل الجماعة أخيرًا هذا الخطأ، إذا عجزت العاقلة عن حمله.
2- ويمكننا أن نقول أيضًا: إن الإهمال وعدم الاحتياط هو نتيجة الشعور بالعزَّة والقوة، وإن هذا الشعور يتولد من الاتصال بالجماعة، فالمشاهَد أن مَن لا عشيرة قوية له يكون أكثر احتياطًا ويقظة ممن له عشيرة، وأن المنتمين للأقليات يكونون أكثر حرصًا من المنتمين للأكثريات؛ فوجب لهذا أن تتحمل العاقلة والجماعة نتيجة الخطأ، ما دام أنهما هما المصدر الأول للإهمال وعدم الاحتياط.
3- إن نظام الأسرة ونظام الجماعة يقوم كلاهما بطبيعته على التناصر والتعاون، ومِن واجب الفرد في كل أسرة أن يناصر باقي أفراد الأسرة ويتعاون معهم، وكذلك واجب الفرد في كل جماعة، وتحميل العاقلة أولاً والجماعة ثانيًا نتيجة خطأ الجاني، يحقِّق التعاون والتناصر تحقيقًا تامًّا، بل إنه يجدِّده ويؤكده في كل وقت؛ فكلما وقعت جريمة من جرائم الخطأ اتَّصل الجاني بعاقلته، واتصلت العاقلة بعضها ببعض، وتعاونوا على جمع الدية وإخراجها من أموالهم، ولما كانت جرائم الخطأ تقع كثيرًا، فمعنى ذلك أن الاتصال والتعاون والتناصر بين الأفراد ثم الجماعة، كل أولئك يظل متجددًا مستمرًّا.
4- إن الحكم بالدية على الجاني وعلى عاقلته، فيه تخفيف عن الجناة ورحمة بهم، وليس فيه غبن وظلم لغيرهم؛ لأن الجاني الذي تحمل عنه العاقلةُ اليوم ديةَ جريمته، ملزَمٌ بأن يتحمل غدًا نصيبًا من الدية المقررة لجريمة غيره من أفراد العاقلة، وما دام كل إنسان معرضًا للخطأ، فسيأتي اليوم الذي يكون فيه ما حمله فرد بعينه عن غيره مساويًا لما تحمله هذا الغير عنه.
الخاتمة:
وخلاصة الأمر، فإن الأسرة في القرآن الكريم تمثل "الوحدة الأولى للمجتمع، وأولى مؤسساته التي تكون العلاقات فيها في الغالب مباشرة، ويتم داخلها تنشئة الفرد اجتماعيًّا، ويكتسب منها الكثير من معارفه، ومهاراته، وميوله، وعواطفه، واتجاهاته في الحياة، ويجد فيها أمنه وسكنه"[59].
ولهذا، واستنادًا إلى ما سبق ذكره في ثنايا البحث، فإن نظام الأسرة في الإسلام يرتكز على أسس متينة؛ أبـرزها: وحدة الأصل والمنشأ، وفي هذا يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
 وإذا كان الأمر كذلك، فإنه بات لزامًا على المجتمع لكي يحافظ على كيانه واستقلاليته ومتانة روابطه، أن يُسيّج الأسرة بسياج من القداسة والعناية؛ ليحفظها من كل الهجمات الداخلية والخارجية؛ لأن الأسرة هي "الكهف الوحيد الذي يجمع بين رجل وامرأة، ومن ثمّ، فإن تكوينها دين، والحفاظ عليها إيمان، ومكافحة الأوبئة التي تهددها جهاد، ورعاية ثمراتها من بنين وبنات جزء من شعائر الإسلام"[60].
فلا يستغربنَّ أحد من الإسلام أن يجعل الزواج عبادة، وأن يجعل قضاء الوطر في ظله قربى يؤجر المرء عليها، وفي الحديث: ((مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا، فَلْيَتَزَوَّجِ الحَرَائِرَ))[61].
لكن السؤال الذي يجب التريث في إجابته هو: من التي يتزوجها المسلم؟ "يجب أن نعرف أن الزواج ليس التقاءً لمزيد من الإنتاج الحيواني، إن الأسرة في الإسلام امتداد للحياة والفضيلة معًا، امتداد للإيمان والعمران على السواء"[62].
وبهذا، فإن الإسلام بتعاليمه الدقيقة يحفظ حاضر الأسرة ومستقبلها، و"يبعد شبح الطلاق عنها، لكن الطلاق أخذ يشيع في مجتمعات إسلامية كثيرة؛ لأن انحلال المدنية الغربية تسلل إلينا، وشرعت جراثيمه تدق الأبواب المغلقة"[63].
ولهذا ركَّز القرآن الكريم على رابطة العقيدة المتينة التي تجمع بين أفراد الأسرة وبين جميع أفراد المجتمع، بل إن التصور الإسلامي "يقطع الوشائج والصلات التي لا تقوم على أساس العقيدة والعمل، ولا يعترف بقربى ولا رحم إذا أنبتت وشيجة العقيدة والعمل، ويسقط جميع الروابط والاعتبارات ما لم تتصل بعروة العقيدة والعمل، وهو يفصل بين جيل من الأمة الواحدة وجيل، إذا خالف أحد الجيلين الآخر في عقيدته، بل يفصل بين الوالد والولد، والزوج والزوجة، إذا انقطع بينهما حبل العقيدة؛ فعرب الشرك شيء، وعرب الإسلام شيء آخر، ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة، والذين آمنوا من أهل الكتاب شيء، والذين انحرفوا عن دين إبراهيم وموسى وعيسى شيء آخر، ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة"[64].
وفي الختام، فإن الأسرة في القرآن الكريم ليست آباءً وأبناءً وأحفادًا فقط، إنما هي "هؤلاء حين تجمعهم عقيدة واحدة، وإن الأمة ليست مجموعة أجيال متتابعة من جنس معين، إنما هي مجموعة من المؤمنين مهما اختلفت أجناسهم وأوطانهم وألوانهم"[65]، وهذا هو التصور الإيماني، الذي ينبثق من خلال البيان الرباني، في كتاب الله الكريم.


[1]- ما كتب أحمد أمين في "فجر الإسلام" وغيره.
[2]- أبو جعفر الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي (ت310هـ): "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420 هـ - 2000م، 10/ 175.
[3]- قطب، سيد: "في ظلال القرآن"، دار الشروق - القاهرة، الطبعة الشرعية الحادية عشرة، 1405هـ - 1985م. ص75.
[4]- سبقت دراسات في هذا المجال مثل: (المرأة ومكانتها في الإسلام، تنظيم الأسرة، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة..) إلا إنّها لم تدرس الموضوع وفق النظرة القرآنية الصرف.
[5]- ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني، معجم مقاييس اللغة .6 مج، تحقيق: عبدالسلام محمد هارون، دار الفكر 1979م، ج 3ص 3.
[6] ينظر: لسان العرب؛ لجمال الدين أبي الفضل محمد بن مكرم بن منظور الأنصاري 4/22   دار الكتب العلمية، والمعجم الوسيط - قام بإخراجه إبراهيم مصطفى، وأحمد حسن الزيات -(1/17)- دار التراث العربي - (1392 هـ -1972 م)، وأساس البلاغة؛ لجار الله الزمخشري - ص 112دار صادر - بيروت، ومعجم مقاييس اللغة؛ لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا - ص395، دار الجيل - بيروت - لبنان (1441هـ -1991 م) .
[7]- أهم مرادفات الأسرة التي وردت في القرآن الكريم هي: (الأهل، العشيرة، الرهط).
[8]- الخشاب، مصطفى: دراسات في علم الاجتماع العائلي، بيروت: دار النهضة العربية  1966م، ص43.
[9]- قطب، سيد، في ظلال القرآن، مرجع سابق، ص574.
[10]- المرجع السابق، ص573-574-575.
[11]- قطب، سيد، في ظلال القرآن، مرجع سابق، ص575.
[12]- المرجع السابق، ص575.
[13]- المرجع السابق، ص579.
[14]- البخاري، صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن، ج 2/ص6 ، وباب: في العتق وفضله ج 3/ص196، وكتاب النكاح، باب: المرأة راعية في بيت زوجها، مرجع سابق، ج 7/ص41.
[15] البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخراساني، في الشعب من حديث الخليل بن مرة عن الرقاشي، ولفظه: ((إذا تزوج العبد، فقد كمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الباقي))، ومن حديث زهير بن محمد: أخبرني عبدالرحمن بن زيد بن عقبة المدني عن أنس مرفوعًا بلفظ: ((من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي))، وكذا هو عند الحاكم في مستدركه، وقال: إنه صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[16] رواه ابن ماجه (1862) وابن عدي (164/2) وعنه ابن عساكر (4/284/1) عن سلام بن سوار: حدثنا كثير بن سليم عن الضحاك بن مزاحم عن أنس بن مالك.
 [17]أخرجه عبدالرزاق في: المصنف، ج6، رقم 10378، والبيهقيُّ في السنن الكبير ج78، ص7، وفي السنن الصغرى، رقم2346، وفي: المعرفة، ج19، ص10: من طريق عبدالوهاب بن عطاء.
[18] ينظر: عبدالواحد مصطفى، الأسرة في الإسلام، ص3.
[19]- رواه الحاكم، والبيهقي: السنن الكبير، ج78، ص7.
[20]- رواه الطبراني، رقم الحديث: 2546.
[21]- الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى السلمي: "الجامع الصحيح"، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرين، دار إحياء التراث العربي - بيروت، كتاب النكاح، باب النظر إلى المخطوبة (1087) وقال: حديث حسن، والنسائي (3235) واللفظ له، وابن ماجه (1866)، وأحمد (18179)، الدارمي، عبدالله بن عبدالرحمن أبو محمد: "سنن الدارمي"، تحقيق فواز أحمد زمرلي، وخالد السبع العلمي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ (2172)، الحاكم، محمد بن عبدالله أبو عبدالله النيسابوري: "المستدرك على الصحيحين"، تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ - 1990م (2697)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح (859)؛ "صحيح الجامع".
[22]- البخاري: كتاب الحيل، باب في النكاح (4843)، ومسلم: كتاب النكاح، باب استئذان الثيب بالنطق (1419)، والترمذي (1107)، والنسائي (3267)، وأحمد (9603).
[23]- النسائي: كتاب النكاح، باب البكر يزوجها أبوها وهي كارهة (3269)، وابن ماجه (1874)، وأحمد (25087)، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، إلا أنه قد اختلف فيه على كهمس بن الحسن.
[24]- أبو داود: كتاب النكاح، باب في الولي (2085)، والترمذي (1101) وقال: حديث حسن، وابن ماجه (1881)، وقال الألباني: صحيح (7555)؛ "صحيح الجامع".
[25]- الترمذي: كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي (1102) وقال: حديث حسن، وأبو داود (2083)، وابن ماجه (1879)، وأحمد (24251)، والدارمي (2184)، والحاكم (2706) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الألباني: صحيح (2709)؛ "صحيح الجامع".
[26]- قطب، سيد، في ظلال القرآن، مرجع سابق، تفسير سورة الفرقان.
[27]- ينظر: المرجع نفسه، تفسير سورة الفرقان.
[28]- الترمذي: كتاب الرضاع، باب حق المرأة على زوجها (1163) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في سننه الكبرى (9169)، قال الألباني: حسن (7880)؛ "صحيح الجامع".
[29]- الترمذي: كتاب الرضاع، باب حق المرأة على زوجها (1162) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (1978)، وابن حبان (4176)، قال الألباني: صحيح (1232)؛ "صحيح الجامع".
[30]- الترمذي: كتاب المناقب، باب فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (3895)، وقال: حديث حسن غريب صحيح، وابن ماجه (1977)، وابن حبان (4186)، وقال الألباني: صحيح (3314)؛ "صحيح الجامع".

 [31]أبو داود: كتاب النكاح، باب في حق المرأة على زوجها (2142)، وأحمد (20025)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (1875).
[32] البخاري: كتاب العتق، باب العبد راعٍ في مال سيده (2419)، وأحمد (6026)، والبيهقي في سننه الكبرى (12466).
[33] مسلم: كتاب النكاح، باب تحريم إفشاء سر المرأة (1437)، وأبو داود (4860)، وأحمد (11673).
[34] أبو داود: كتاب الزكاة، باب في حقوق المال (1664)، وأبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنى الموصلي التميمي: "مسند أبي يعلى"، تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث - دمشق، الطبعة الأولى، 1404 - 1984م، (2499)، والبيهقي في سننه الكبرى (7027)، وقال الألباني: ضعيف (1643)؛ "ضعيف الجامع".
[35] البخاري: كتاب العتق، باب العبد راعٍ في مال سيده (2419)، وأحمد (6026)، والبيهقي في سننه الكبرى (12466).
[36]- البخاري: كتاب النكاح، باب استئذان المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد وغيره (4940)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، وأنها لا تخرج مطيبة (442).
[37]- الترمذي: كتاب الرضاع، باب حق الزوج على المرأة (1159) وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، وابن ماجه (1853)، وأحمد (19422)، وابن حبان (4162)، والحاكم (7325) وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح (5294)؛ "صحيح الجامع".
[38]- البخاري: كتاب الأدب، باب تغيير الاسم إلى اسم أحسن منه (5840)، وأحمد (23723)، وابن حبان (5822).
[39]- مسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، وتغيير اسم برة إلى زينب وجويرية ونحوهما (2139)، وأبو داود (4952)، والترمذي (2838).
[40]- أبو داود: كتاب العقيقة (2838)، والنسائي (4220)، وابن ماجه (3165)، والحاكم (7587) وقال الذهبي في "التلخيص": صحيح، وقال الألباني: صحيح (4184)؛ "صحيح الجامع".
[41]- أبو داود: كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة (495)، والترمذي (407)، وأحمد (6756)، والحاكم (708 )، والمتقي الهندي في "كنز العمال" (45324)، وقال الألباني: حسن (5868)؛ "صحيح الجامع".
[42]- البخاري: كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين (1319)، ومسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (2658)، أبو داود (4714)، والترمذي (2138).
[43]- الترمذي: كتاب البر والصلة، باب أدب الولد (1952)، وأحمد (15439)، والحاكم (7679) وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: بل مرسل ضعيف، وقال الألباني: ضعيف (5227)؛ "ضعيف الجامع".
[44]- الغزالي، محمد، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة، دار ريحانة (الجزائر)، ص106.
[45]- مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر، فلم يدخل الجنة (2551).
[46]- البخاري: كتاب الهبة وفضلها، باب الهدية للمشركين (2477)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين (1003)، وأبو داود (1668).
[47]- مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما (2552).
[48]- أبو داود: كتاب الأدب، باب في بر الوالدين (5142)، وابن ماجه (3664)، وأحمد (16103)، وابن حبان، محمد بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي: "صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان"، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية، 1414هـ - 1993م (418)، والبخاري في "الأدب المفرد" (16103)، وقال الألباني: ضعيف (1482)؛ "ضعيف الترغيب والترهيب"، مكتبة المعارف الرياض.
[49]- البخاري: كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر (5631)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (88)، وأبو داود (2875)، والنسائي (4010).
[50]- البخاري: كتاب الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته بنفسه (5787).
[51] البخاري: كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (5640)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (2557)، وأحمد (13610)، وابن حبان (439).
[52] الترمذي: كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على الأقارب (658)، وابن ماجه (1844)، والنسائي (2582)، وأحمد (16277)، والدارمي (1681)، وقال الألباني: حسن صحيح (892)؛ "صحيح الترغيب والترهيب".
[53] البخاري: كتاب الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ (5645)، والترمذي (1908)، وأحمد (6785)، وابن حبان (445).
[54] مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (2558)، وأحمد (7979)، وابن حبان (450)، والبخاري في "الأدب المفرد" (250).
[55] مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (2555)، وأبو يعلى في مسنده (4446).
[56] البخاري: كتاب الأدب، باب من وصل وصله الله (5641)، ومسلم: في البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطعها (2554)، وأحمد (8349)، وابن حبان (441)، والحاكم في المستدرك (3005).
[57] الترمذي: كتاب البر والصلة، باب قطيعة الرحم (1907) وقال حديث صحيح، وأحمد (1686)، وقال الألباني: حديث صحيح (250)؛ "السلسلة الصحيحة"، مكتبة المعارف - الرياض.
[58]- أما في قتل العمد، فأساس العقوبة القصاص.
[59] إبراهيم مصطفى وآخرون: المعجم الوسيط، مج 2، إستانبول: دار الدعوة1989 م. ج1، ص17.
 [60]الغزالي، محمد، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة، دار ريحانة (الجزائر)، د.ط، ص111.
[61] رواه ابن ماجه (1862)، وابن عدي (164/2)، وعنه ابن عساكر (4/284/1) عن سلام بن سوار.
 [62]الغزالي، محمد، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة، مرجع سابق، ص102.
[63] المرجع السابق، ص22.
[64]- قطب، سيد، في ظلال القرآن، مرجع سابق، ص74.
[65]- قطب، سيد، في ظلال القرآن، مرجع سابق، ص75.