الخطب و المحاضرات
الدروس
حكم
نصائح مهمة
جديد الموقع
انشر الموقع
في الموقع حاليا

اللغة العربية وتحديات الازدواجية اللغوية


صورة













اللغة العربية وتحديات الازدواجية اللغوية

(الواقع والحلول)

 

توطئة: اللغة صورة وجود الأمَّة:

بداية فإن واقعَ أية أمَّة من الأمم يعكس واقع لغتها قوة وضعفًا، ونهضة وسقوطًا، ومدًّا وجَزرًا، فإذا كانت الحياة العقلية والفكرية والثقافية للأمَّة في مسار النهوض والتصاعد والرُّقِي، كانت اللغة على قدرِ ذلك؛ نهوضًا ورُقيًّا واتساعًا وخصوبة، ومما هو معلوم بالضرورة لدى كلِّ غَيُور على أمَّته، والحريص عليها من كلِّ زيغ وتيهان: أن "للغة قيمةً جوهرية كبرى في حياة كلِّ أمَّة؛ فإنها الأداة التي تحمل الأفكار، وتنقُلُ المفاهيم، فتُقيم بذلك روابط الاتصال بين أبناء الأمَّة الواحدة، وبها يتم التقارُبُ والتشابُهُ والانسجام بينهم"[1].


ومن هنا، فإن الأفكار والعواطف لا تنفصم عن القوالب اللغوية التي توضَع فيها الأفكار، والصور الكلامية التي تصاغ فيها المشاعر والعواطف؛ ولهذا فإن اللغة هي الترسانة الثقافية والمعرفية التي تبني الأمَّة وتحمي كيانها، وهي التي تجعل من "الأمَّة الناطقة بها كلاًّ متراصًّا خاضعًا لقوانين، إنها الرَّابطة الحقيقية بين عالَم الأجسام وعالم الأذهان"[2].


ولهذا إذا نظرنا إلى أعمال الثورة الفرنسية نجد عجبًا؛ فقد كرَّست مبادئ الاهتمام بالدِّين واللغة القومية، وفي هذا يقول أحد الرهبان الفرنسيين: "إن مبدأ المساواة الذي أقرَّته الثورة يقضي بفتح أبواب التوظُّف أمام جميع المواطنين، ولكنَّ تسليم زمام الإدارة إلى أشخاص لا يُحسِنون اللغة القومية يؤدِّي إلى محاذيرَ كبيرة، وأما ترك هؤلاء خارج ميادين الحُكم والإدارة فيخالف مبدأ المساواة، فيترتب على الثورة - والحالة هذه - أن تُعالَج هذه المشكلة معالجةً جدية؛ وذلك بمحاربةِ اللهجاتِ المحلية، ونشرِ اللغة الفرنسية الفصيحة بين جميع المواطنين"[3].


وهذا يدفعنا للقول بأن اللغة القومية "وطن روحي يؤوي من حُرِمَ وطنَه على الأرض"، كما يقول فوسلر، بل إن اللغة "مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمَّة، كيفما قلَّبت أمرَ اللغة - من حيث اتصالها بتاريخ الأمَّة واتصال الأمَّة بها - وجدتها الصفةَ الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية، وانسلاخ الأمَّة من تاريخها"[4].


وعلى ما سبق، فإن اللغةَ هي الأداة المعبِّرة عن منجَزات العقل وإبداعاته، وعن نمو الثقافة وامتداداتها، وهي وعاء الحضارة، ومِرآة القِيَم ودليل الحياة، وهذا ما فهِمته الشعوب الأوروبية؛ فاعتنت بلُغَتها، وجعلتها وسيلتَها لفتح الشعوب وقهرِها ثقافيًّا، وغزوها فكريًّا، وكسب مودتها وولائها وتقليدها في أنماط حياتها ومعايشها.


وهذا ما تجاهلته أمتُنا العربية والإسلامية في أوضاعها الراهنة، فلم تجعل لُغتَها وسيلة للتلاقح الحضاري والتواصل الاجتماعي، ومظهرًا لعزَّتِها وقوتها وكرامتها، ولعل هذا ما جعَل لغة القرآن الكريم تُعاني المهانةَ والإعراض والاحتقار، لا من قِبَل أعدائها فحسب، بل الأدهى والأمر، أنها تعاني ذلك من قِبَل أبنائها كذلك، فكم هي مهمَّشة على مستوى الإدارات والمؤسسات، وكم هي مُبعَدة على مستوى الجامعات والكليات، وكم هي مُهمَلة على مستوى الأقسام والتخصصات، وكم هي منسيَّة على مستوى الوظائف والتعيينات.


وفي سبيل التقرُّب من واقع اللغة العربية عند الناطقين بها وبغيرها وتحديات الازدواجية اللغوية، تُطرَح هذه الورقة التي ترصد واقع اللغة العربية في الأنظمة التعليمية العربية والإفريقية، وواقع اللغات الأجنبية في أروقة البحث العلمي العربي والإفريقي في القرن الماضي وبدايات القرن الحالي.

 

هذا التتبع يرمي إلى رسم المنحنى التطوري لحركة اللغة العربية في عالَم المعرفة العربي الحديث والمعاصر، من خلال ما قدَّمَت من دراسات عِلمية على مستوى عالَمي، أو نشَرَت من كتب، أو عقَدَت من مؤتمرات.

 

وتتلخص أهدافُ الورقة بعد أن تشخِّص الداء اللغوي الذي يستشري في بلادنا العربية وذكر أسبابه - في تبيين الدواء الناجع الذي "هو في حوزة أصحاب القرار، إنه يتلخَّص في تبنِّي سياسات تعليمية وإعلامية وثقافية جديدة، تعيد الأمورَ إلى نصابها الطبيعي؛ أي استعمال العربية في جميع مجالات الحياة في بلادنا المسماة بالعربية؛ وذلك باتخاذ القرارات الملزمة.. بنيَّة صادقة"[5]، ومن هنا، الوقوف على أهمِّ الإجراءات التنفيذية لرفع مستوى اللغة العربية في موطنها، وفي العالم.

 

اللغة العربية وتحديات الازدواجية (العالم العربي):

بداية فإن الحديثَ عن اللغة العربية في العالم يذكِّرني بما صرح به ديغول في مذكراته - بُعَيد استقلال الجزائر - قائلاً: "وهل يعني أننا إذا تركناهم يحكُمُون أنفسهم يترتب التخلِّي عنهم بعيدًا عن أعيننا وقلوبنا، قطعًا لا، فالواجب يقتضي منا مساعدتهم؛ لأنهم يتكلَّمون لغتنا، ويتقاسمون معنا ثقافتنا"[6]، ضمنيًّا نلمس من قول ديغول رغبتَه في تكريس الهيمنة الثقافية في مشروع الاستعماري الجديد، كونه يسعى إلى" أن تبقى الجزائر فرنسية من عدةِ أوجه، وتحافظ على الطابع الذي أُكسِبَتْه"[7].

 

ويعود سبب هذا الحقد - في تقديري - إلى أن اللغة العربية شهدت خلال تاريخها فترات من الازدهار والانتشار، تخطَّت فيها حدود مجالها العربي إلى آفاق ومناطق واسعة، وذلك في عددٍ غير قليل من البلدان خارج "نطاق العربية، وخاصة في بلدان القارة الإفريقية، وقد تمتعت اللغة العربية بوَضْع ومكانة متميزة على الخريطة اللغوية لإفريقيا؛ حيث استقرت العربية في غالبية أنحاء إفريقيا منذ وقت طويل، يسبق دخول أي لغة من اللغات الأوربية إلى إفريقيا، وتحدث بها عددٌ كبير من الأفارقة، وانتشرت بينهم انتشارًا كبيرًا، وقد ترسَّخت هذه المكانة بشكل خاص في غالبية دول شرق إفريقيا وغربها، بينما تتراجع هذه المكانة تدريجيًّا كلما اتجهنا صوب وسط القارة وجنوبها"[8].

 

وفي هذا الانتشار الواسع للغة العربية قد كان للإسلام الدورُ الأبرز؛ حيث سارت العربية مع الإسلام جنبًا إلى جنب، وحلَّقت معه أينما حل، وحيثما ارتحل؛ فاستُخدِمت العربيةُ في أداء العبادات والشعائر الدينية لمن يعتنق الإسلام، وازداد إقبال معتنقي الإسلامِ على تعلُّمها؛ رغبةً في التعمُّق في الدِّين، عن طريق الرجوع لمصادره الأساسية عبر قراءة ومدارسة مصنَّفات الفقه والحديث والتفسير وغيرها من العلوم الشرعيَّة، وقد أدَّى هذا الارتباط الوثيق بين اعتناق الإسلام وتعلُّم العربية إلى أنه جعَل للعربية درجةً من الانتشار في كل المناطق التي تضم جماعات مسلمة، كما كان للهِجرات العربية لإفريقيا دورٌ في نشرِ اللغة العربية، كذلك كان للتجَّار وللطُّرق الصوفية وللدعاة وللمعلمين جهودٌ صادقة في نشر الإسلام واللغة العربية في إفريقيا؛ وذلك عن طريق السُّلوك القويم، والقدوة الحسنة، والدعوة الصادقة، والتعليم؛ حيث قاموا بإنشاء المساجد، وفتح المدارس في كثير من البقاع، كما أنهم صاهَروا أهل البلاد واندمجوا فيهم.

 

إلا أن هذا الرقي الباهر جاء بعده تضعضعٌ للغة العربية وانحدار ليس عائدًا إلى عينِ اللغة، بل إلى المنتسبين إليها، مما جعلها تتقلَّص وتهان حتى في عقر دارها، ولله درُّ حافظ إبراهيم إذ يقول على لسان اللغة العربية:

رَجَعْتُ لنفْسِي فاتهمتُحَصاتِي 
ونادَيْتُ قَوْمِي فاحتَسَبْتُحياتِي 
رَمَوْني بعُقمٍ في الشبابِوليتَني 
عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِعداتي 
وَلَدتُ ولَمَّا لَم أجِدْلعرائسي 
رِجالاً وأَكْفاءً وَأَدْتُبناتِي 
وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظًا وغايةً 
وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ 
فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِآلةٍ 
وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ 
أنا البَحرُ في أحشائِه الدُّرُّكامنٌ 
images/arabe.jpegفهل ساءلوا الغوَّاصَ عن صَدَفاتي
فيا وَيْحَكُم أبلى وتَبلىمَحاسِني 
ومنكُمْ وإنْ عَزَّ الدواءُأُساتِي 
فلا تَكِلُوني للزمانِفإنني 
أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي 
أرى لرِجالِ الغَربِ عِزًّا ومَنعَةً 
وكم عَزَّ أقوامٌ بعِزِّ لُغاتِ 
أتَوْا أهلَهُم بالمُعجِزاتِتَفَنُّنًا 
فيا ليتَكُمْ تأتونَبالكلِمَاتِ 
أيُطرِبُكُم من جانِبِ الغَربِناعِبٌ 
يُنادي بِوَأْدي في رَبيعِحَياتي[9] 


إن هذا القصورَ الشَّنيع في استعمال اللغة العربية في واقع الناطقين بها يدفعنا لمعرفة مختلف الأسباب والعوامل الذاتية والموضوعية التي أدَّتْ إليه، ونبدأ بـ:

1. قلب موازين القيم:

عاشت اللغةُ العربية - كما أسلفنا - قرونًا من الازدهار والرُّقيِّ؛ لأنها عاشت في قمةِ هرم القِيَم في ميزان الناطقين بها، ولما تغيَّرت الأمور وأصبحت اللغةُ العربية في أدنى المراتب، فإننا "لا نكون منطقيين مع أنفسِنا، وواقعيين مع التاريخ، أن ننتظرَ الازدهار والسيادة للغةِ العربية في وطنها، ونحن وضَعْناها في المرتبة الأخيرة من اهتماماتنا الوطنية والقومية، فنجد مَن يعتبر اللغة - قومية أو غير قومية - مجردَ وسيلة للتفاهم، وإذا حصل التفاهمُ والتعلُّم بين الأفراد بغيرها فقد ثبَت المطلوبُ في نظرهم، وبالتالي يكون من قِبَل "التعصب" المطالبةُ القومية بأن تكون لغة التفاهم بين أفراد المجتمع العربي، وكذلك لغة التعليم بجميع مراحله وتخصصاته هي العربية "[10].


وهذا كلُّه وغيرُه جعَل استعمال اللغات الأجنبية يسير وَفْق هذه القاعدة، كما انطبق أيضًا على استعمال اللهجات الدارجة العربية التي أصبحت تنشر بها الخُطَب الرَّسْمية في بعض الأقطار المشرقية على الخصوص، "مما جعَل الطلاب الأجانب الذين يؤمُّون أقطارنا لدراسة اللغة العربية يُصدَمون بواقع مخجِل، حيث لا يكادون يجدون أثرًا لِلُغة الضاد في الواقع، فينكبُّون على تعلُّم اللهجة المحلية لهذا البلد العربي أو ذاك؛ لكي يفهموا ما يقال في الصحافة المكتوبة أو المسموعة أو المرئية، فضلاً عن التفاهم مع أفراد المجتمع الذين يفضِّلون استعمال اللهجات العامِّية إذا تعذَّر عليهم مخاطبةُ الأجنبي بلُغَته الأصلية في بلدانهم، وأبرز مثال على ذلك ما نجده في السوق من تداول للقواميس المُعدَّة باللهجات المحلية مع لغة أو لغات أجنبية؛ (فنجد مثلاً قاموسًا فرنسيًّا تونسيًّا، أو إنجليزيًّا مصريًّا، أو إسبانيًّا مغربيًّا، أو فرنسيًّا جزائريًّا)"[11].


ونتج عما سبق، أننا أصبَحْنا لا نجدُ للفصحى أثرًا في الوقت الحاضر، إلا في أوراق الامتحان الكتابي والكتب المقررة! ونحن الآن إذا وجَدْنا مبررًا للأُمِّيِّين العرب الذين يتحدثون باللهجاتِ المحلية، فكيف نجدُ للجامعيين العرب - طلابًا وأساتذةً - وللمثقفين العرب، في احتقار الفصحى، أو التهوين من قيمة التحدُّث بها - على الأقل - في الحرَم الجامعي، وفي منابر العلم المختلفة، بل أصبح عند بعض المثقفين: أن من علامات الرقي الحديثَ باللغات الأجنبية، مما جعل عامَّة الناس يفرون نحوَ تعلم هذه اللغات في المراكز الثقافية التابعة لبلادها، المنتشرة في العواصم العربية، وما نلاحِظُه في واقعنا الثقافي المعيش يُغنِي عن الحديث...، فكيف ينتظر العربُ أن تنتشر لغتهم في العالَم، وتكون لها قيمة عِلمية وعملية تذكر، وهم يحتقرونها في بلدانهم، ويفضِّلون عليها اللهجاتِ المحلية، ويفرِضون تعلُّم هذه اللهجات المحلية على الأجانب القادمين إلى بُلداننا لدراسة لغتِنا القومية؟!


وهذا المخطط يوضح ما حدث:

 

فكيف نريد من الأجنبي أن يحترم لغتنا ونحن نحتقرها هذا الاحتقار؟ بل كيف نتصور نظرته إلى العرب واحترامهم كقوم يدَّعون أنهم يكوِّنون وحدة ثقافية متجانسة، وهو مضطر إلى إتقان أكثرَ من عشرين لهجة عربية، كي يفهم العرب أو يتفاهم معهم؟!

2. هيمنة اللغات الأجنبية على المؤسَّسات العِلمية الرسمية، والجامعات العربية.


نحن نعلمُ بأن الاستدمار (الاستعمار) الأوروبي الغاشم كان له اليد الطولى في تردِّي أحوال اللغة العربية في موطنها، ولكننا لا نريد التركيز عليها، رغم خطورتها؛ لهذا سنذكُرُ أن هذا الوضع الشاذَّ الذي توجد عليه اللغةُ العربية في جامعات الدول المنتسبة إليها، والذي له انعكاسات خطيرة على استعمالِها في مجالات الحياة كما قلنا - يعود ولا شك في تاريخه إلى الحملةِ الاستعمارية الصليبية التي شنَّها الغربُ على البلدان العربية، بدءًا بغزو فرنسا للجزائر سنة 1830، ثم أقطار المغرب العربي بعد ذلك، ثم غزو الإنجليز لمصر والبلدان الشرقية الأخرى تبعًا لذلك، وكذا الاستعمار الإسباني والإيطالي في كلٍّ من المغرب وليبيا...، و"الذي يُهمنا ذِكره في هذا الخصوص هو أن لغة التدريس لكل العلوم العصرية - بما فيها الطب والهندسة - في ذلك الوقت كانت هي اللغة العربية وحدها...، ولكن بعد أن أمسك المحتلُّ قبضتَه على أرض الكنانة والأزهر الشريف، أصدَر قراره بجعل لغة تدريس الطب وجميع الفروع العلمية في الجامعات المصرية باللغة الإنجليزية (بما فيها جامعة الأزهر الشريف)، وما يزال الوَضْع منذ ذلك التاريخ محنَّطًا على ما كان عليه حتى هذه اللحظة، بل ازداد تدهورًا وخطورةً بتوسيعِه إلى بعض المواد الاجتماعية والإنسانية الأخرى التي كانت تدرس باللغة العربية في عهد الاحتلال؛ لتعجم اليوم تحت شعار الانفتاح والتخلُّص من عقدة الاحتلال في (الاستقلال)"[12].


وهذا الانسياق وراء الأجنبي، والانبهار به انبهارًا أدَّى إلى أن ننسلِخَ من عروبتنا في شتى مظاهر الحياة - ناتجٌ، لامحالة، عن "سياسة الانفتاح المنفلت التي أنتجتها الدولُ العربية بدرجات متفاوتة؛ حيث أدت إلى ما نشهده من هجوم واسع النطاق للسلع الأجنبية، متوازيًا مع هجوم للثقافة الأجنبية...، حتى أصبَح الذين يجيدون اللغات الأجنبية هم المتميزين اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وصارت المدارس الأجنبية تحظَى بإقبالٍ غير عادي، بل وجَدْنا بعض الجامعات الوطنية تفتح فروعَها للتدريس باللغات الأجنبية، الأمر الذي لا يخلو من مفارقة...، فبعد أن حقَّق العملُ الوطني إنجازه بتعريب التعليم الجامعي، خصوصًا في كليات الدراسات الإنسانية، وبينما الأصوات تتعالى لمواصلةِ الشوط بتعريب مناهج الكليات العِلمية من طب وصيدلة وهندسة وما إلى ذلك - إذا بنا نجد الكليات التي تم تعريبُها تعود للتدريس باللغات الأجنبية، على الأقل هذا ما حدث في جامعة القاهرة (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية)"[13]، وما وقع لمصر قديمًا وحاضرًا وقَع في كلية طب بيروت التي كانت تدرس بالعربية، وقد أصبحت منذ الاحتلال - وما تزال إلى الآن - تدرس باللغة الإنجليزية.


وإذا انتقلنا إلى بلاد المغرب العربي فإن الأمر أكثر استفحالاً في هذا المجال، وكان من نتائج ذلك أنْ عمِل الاستدمار (الاستعمار) على تشويهِ صورة استعمال اللغة القومية في مختلف المجالات، وعلى الخصوص في مجال الإعلام والصحافة بصفتها الواجهةَ المرئية التي تعكس أوضاعَ الأمَّة للناظر إليها من الخارج، وخاصة في عهد الفضائيات التي تطوي المسافاتِ، وتعبُرُ القارات في لحظات.


وليس الأمر وليد الحاضر فقط، بل إننا وجدنا في الجزائر - مثلاً - إبان الاستدمار الفرنسي، محاربة شرِسة للغة العربية، وقد سجَّلت جمعية العلماء الجزائريين على لسان رئيسها الشيخ عبدالحميد بن باديس في إحدى خطبه حيث قال: "فقد كنت أود أن اجتماعَنا قد كان لإطلاعكم على ما تم من أعمال العاملين في خدمة الدِّين ولغة الدِّين...، وددتُ لو كان اجتماعنا كذلك، ولكن أنَّى يكون كذلك؟ وقد استحوذت الأنانية على نفوسٍ فأنسَتْنا حق غيرها، واستولى عليها الغرور فحقَّر في نظرها كل ما سواها، فصُمَّت آذان عن سماع كلمة الحق، وقد اخترق الآفاق دويُّها...، وعمِيت أبصار عن رؤية شمس الحقيقة، وقد غمرت الكون أضواؤها...، وكان أعظم البلاء على من كان من الأمم في مثل حالنا، نشقى ليسعَدَ غيرنا، ونموت ليحيا سوانا، وإذا حيِينا فبدون حقوقِ الحياة، وإذا مِتْنا فبدون ثمرات الموت، ثم لا ينتهي بلاؤُنا عند هذا حتى يتناول أعزَّ عزيز علينا، هو دِيننا، ولغة ديننا، هو القرآن ولغة القرآن.

 

أيها الإخوان، ها هو هذا العزيز المفدَّى قد كُشِف في محاربته القناع، وأحيط به من كل جانب، وأديرت فيه الآراء، ودُبِّرت له المكائد، ثم رُمِي عن قوس واحدة بالسهم المسموم: بقانون الثامن مارس المشؤوم، ذلكم القانون الذي شاهدتم أثَرَه في المدارس والمكاتب المغلقة، وأفواج الصبيان والصبيات المشردة، وفي وقفات المحاكم التي وقفتموها، والمغارم التي دفعتموها، والسجون التي دخلتموها، وما لقيتم وتلقَوْن من جهد وعنَتٍ، أشهد أنه لم تُرمَ الجزائرُ المسلمة بمثل هذا السهم، على كثرة الرمي وتفنُّن الرماة؛ فقد كان كلُّ ما أصابها هو في بدنها، وفي غير معقِدِ البقاء منها، أما هذا السهم فهو في رُوحها، في صميم فؤادها، في مصدرِ حياتها"[14].

 

ولتوضيح الصورة أقرب، وتبيانها جلية واضحة المعالم، سنجمل أهمَّ مظاهر تردِّي اللغة العربية في الوطن العربي برمته في النقاط التالية:

أ) فقد جُعلت اللغة العربية بعيدةً عن مسايرة العصر التكنولوجي الراهن باستيعاب المفاهيم والمصطلحات العلمية الحديثة، وظهور الدوريات والمصادر العلمية المختلفة بهذه اللغة العربية التي باتت أحيانًا أجنبيةً في عقر دارها! نتيجة إبعادها عن مجالِ التفاعل مع العلوم الحديثة المختلفة في التدريس والبحث والتأليف والترجمة.


ب) وأما المظهر الثاني فقد برَز في استبقاء اللغاتِ الأجنبية المختلفة للتدريس في مختلف الفروع العِلْمية في مُعظَم الجامعات العربية.


ج) مما جعَل خِرِّيجي تلك الجامعات العربية ببلدان الشرق والغرب في تبعية يخجل منها الاستقلال السياسي الذي حققه الوطنيون الأحرار في تلك الديار؛ حيث أضحَوْا يُثرُون بمؤلفاتهم وأبحاثهم العلمية في شتى مجالات المعرفة - حضاراتِ تلك اللغات الأجنبية التي زاوَلوا بها تخصصاتهم العِلمية في الجامعات العربية والأجنبية (...) بمعزِلٍ عن المساهمة في عملية الإبداع العِلمي العربي الأصيل، على غرار ما تفعله كل الأمم الصغيرة أو الكبيرة في العالم؛ كالصين، واليابان، وتركيا، وإيران، وبلغاريا، واليونان، وبولونيا، والمجر، ورومانيا، وفنلندا، وفرنسا، وإسبانيا، وأمريكا، وبريطانيا، والبرتغال، وهولندا، وألمانيا، دون أن نجدَ في بقية الجامعات العربية حتى الساعة، باستثناء بعض الجامعات التي تُعَد على الأصابع.


د) إظهار اللغة العربية في "موقف العاجز عن مسايرة التطور العلمي والحضاري، مما يشجع الأقطارَ العربية الأخرى ويضطرُّها إلى تبنِّي لغة علمية (جاهزة، لديها من موروثات الاحتلال السابق) لبناء التقدم الموهوم...، وطالما أن العرب لا يعتمدون لغة علم واحدة (على غرار النموذج السوري) في جامعاتهم؛ حيث ما يزالون يدرسون العلوم في كل بلد بلغة المستعمر الإنجليزي أو الإيطالي أو الإسباني أو الفرنسي، فتكون النتيجة الحتمية ألا تتحقق حضارة عربية، وإعلام وصحافة موحدة على الإطلاق؛ لأن هذه المظاهر الحضارية لكي تكون عربيةً يجب أن تكونَ على مستوى كل الأقطار العربية، ولكي تكون ذات هذا الطابع العربي العام يجب أن تكون بلغة واحدة وموحدة الاستعمال على مستوى الرقعة الجغرافية، للمحسوبين على العربية، والحاملين لأسمائها، ولا يمكن أن تكون كذلك إلا باللغةِ العربية التي تجمع كل العرب، وتمثِّل أحد الأركان الأساسية لوَحدتهم المعهودة والمنشودة..."[15].


هـ) حيث أصبح الشباب العربي يرى المستقبل المضمون في الهندسة والطب والإلكترون، أكثرَ مما هو في الآداب والعلوم الاجتماعية، نتيجة عزوفِهم عن اللغة العربية إلى لغة الحياة والمناصب، وما سيتبعُ ذلك من تعلُّم لغة الإدارة والإعلام والصحافة...، وهي مُفارَقة محزِنة ومخزية في التاريخ العربي المعاصر؛ حيث يتواصل الشباب العربي فيما بينهم "بالإنترنت" باللغات الأجنبية، تمامًا مثلما يتواصَلون مع الشباب الفرنسي أو الإنجليزي في أي بلد في العالم!


و) ومما نتَج عن ذلك أيضًا، رسوخُ عُقدة النقص في نفوس الأجيال المتعاقبة؛ وذلك إثر رسم صورة سيئة للُّغة العربية في أذهانهم، بجعل مميزاتِها تنحصرُ في كونها لغة عاطفة، وليست لغة عقل وتحليل، ولغةَ شعر وقصص وخيال وأقوال، وليست لغة طب وعلم وهندسة وأعمال وإعلام وصحافة عالمية، وهذه الذهنيةُ السائدة لدى بعض الناشئة العربية هي معذورة فيها للأسباب المذكورة، نتيجة لهذا الوضع الشاذِّ والأعرجِ الذي توجد عليه اللغة العربية في أقطارهم كما هو مبيَّن، وهو ما يمثِّل عائقًا بعيدَ الأثر في سبيل الاستعمال المنشود للغة القومية في أدنى درجاته المقبولة؛ حيث يشتَّتُ القوى الناشئة من أبناء الأمَّة بين العقل والعاطفة، وبين الرُّوح القومية والمصلحة الشخصية، فيتذبذبونَ بين الاستجابة إلى نداء الضمير والواجب الوطني والقومي بإتقان اللُّغة العربية، وبين إلحاح الغريزة "البطنية" بإتقان اللغات الأجنبية المرهون مستقبلهم الوظيفي بإجادتها على حساب اللغة القومية!


وهذا الانفصام القاتل الذي يعيش به أبناء الأمَّة، جعل كثيرًا من المنظَّمات والاتحادات العربية تدعو إلى معالجة هذه القضية التي تمس الأمَّة في أقدس شيء تملِكه، ألا هو اللُّغة العربية؛ فقد عمَدت الدولةُ الجزائرية - مثلاً - بعد الاستقلال إلى تبنِّي سياسة التعريب؛ فقد صرَّح الرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بلة في هذا الشأن قائلاً: "إننا إذا كنا لا نملِك بشكل كامل اللغةَ العربية، فإن هذا لا يُبعِدُنا في أن نحس أننا عرب في عمق قلوبنا...، إن التعريب لا يمكنه أن يكون إلا نمطَ حياة وتفكير، وليس هناك مستقبلٌ لهذه البلاد إلا في التعريب"[16].


لذا فإن الملاحِظ لمسار التعريب في الجزائر يجد بأن التعريب لقي عنتًا كبيرًا، حتى إن الطبقة المثقَّفة في الجزائر ظهر فيها توجُّهان: "أحدهما يؤمن بالتعريب، والآخر يرفض ذلك ويطالب بالازدواجية، وهذا ما فتَح المجال للمفاضَلة بين اللغتين، وطرحت مسألة أيهما أصلح للتعليم"[17].


وتدعيمًا للرأي السابق، وجدنا محمد غوري (عضو اتحاد الأطباء العرب) في مقال له بعنوان: "تعريب الطب واقع اللغات وطموحات" يقول: "لا يرتاب أحدٌ من الباحثين اللغويين، قدامى ومحدَثين، شرقيين وغربيين، في أن العربيةَ من أقدم اللغات وأقواها أصالة وأوسعها تعريفًا؛ فهي مَرِنة مِطواعة، تلبِّي أدقَّ مطالب العلوم، وخاصةً منها العلوم الطبية بألوان اشتقاقاتها، وأنواع صيغها، أسماءً وأفعالاً وصفات، وباستعدادها الأصيل للاقتباس والتعريب لكل لفظ دخيل من ألفاظ الحضارة والفنون والعلوم...


إن اتحادَنا قد حمل فكرة تعريب الطب منذ إنشائه سنة 1982م؛ فمؤتمراتنا الطِّبِّية التي تقام في وسط أوروبا تَرفَع شعار: "العربية لغتنا"، جمعيتنا الطبية هي الأولى من نوعها بمقالاتها العلمية والطبية والتخصصية ناطقة بالعربية، ورفع الاتحاد مذكرات عديدة إلى وزراء الصحة العرب، وإلى نقابات الدول العربية، وكذلك إلى منظِّمي المؤتمرات الطبية في الأقطار العربية، مذكرًا إياهم بأن الطبَّ في العالم كله يدرَّس بلغة بلده الأصلية؛ فاليونان والألبان والبولونيون وحتى أرمينيا وفي دولة طاجكستان... كل يدرس بلغته القومية؛ فلِمَ إذًا ندرس العلوم الطبية في بلادنا باللغة الفرنسية أو الإنجليزية؟ وطالب الاتحاد كافة المنظمات المعنية بوضع حدٍّ لهذا الانهزام الحضاري[18].


واقع اللغة العربية وتحديات الازدواجية (إفريقيا):

وإذا عدنا - بعد ما ذكرناه من أسباب وعوامل انحدار اللغة العربية في عقر دارها، إلى الحديث عن حال اللغةِ العربية في إفريقيا - فإننا نجدها رغم ما تعرَّضت له من تحديات ما زالت هي والثقافة الإسلامية، تتمتعانِ بحضور قوي في بلدان شرق إفريقيا، وخاصة في الصومال وجيبوتي وجزر القمر وإريتريا وإثيوبيا وتنزانيا وأوغندا، وفي دول غرب إفريقيا، وخاصة في السنغال ومالي والنيجر وجامبيا وغينيا ونيجيريا، أما في وسط إفريقيا فباستثناء تشاد وشمال الكاميرون لا نكاد نجدُ لِلُغة القرآن الكريم أثرًا كبيرًا في بقية بلدان وسط إفريقيا، أما في دول جنوبي إفريقيا فيصل حضورُ اللغة العربية لأقلِّ معدَّلاته في دول القارة الإفريقية تقريبًا[19]، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الإسلام يمثِّل دِين الأقلية في هذه البلدان، ونحن نعلم أن خريطةَ الإسلام تطابق في الغالب خريطةَ الثقافة الإسلامية واللغة العربية.

 

وهناك بعضُ التقديرات لأعداد المسلمين في قارة إفريقيا تتوافَقُ مع هذا الرأي وتعضده؛ حيث تشير إلى أن المسلمين يتركَّزون في شمال القارة؛ حيث تبلغ نسبتهم حوالي 82.3% من عدد السكان، أما في غرب القارة فتبلغ النسبة 62.7%، وفي شرقها تصل النسبة لحوالي 52.7%، وتنخفض نسبة المسلمين في كل من وسط إفريقيا؛ حيث تبلغ 15.4%، وجنوبي إفريقيا؛ حيث تبلغ 10.2%[20].

 

لذلك سنبيِّن فيما يلي أهمَّ الأدوار التي تقوم بها اللغةُ العربية في إفريقية، مع التركيز على دورِها الديني وواقعها وحضورها في التعليم والإعلام، مع الإشارة إلى وَضْعها كلغاتٍ رسمية أو وطنية، وبيان أهم لهجاتها وتنوعاتها في السياق الإفريقي جنوب الصحراء.

 

واستنباطًا من الواقع، فإن الدورَ الدِّيني للغة العربية يُعَد من أهمِّ الأدوار التي تقوم بها اللغة العربية على الإطلاق في دول إفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث تعتبر العربية اللغةَ الدينية للمسلمين هناك؛ فهي لغة القرآن الكريم، ولغة الشعائر الدينية، وبها تقام الصلاة، وتلقى خُطَب الجمعة والعيدين، وفي بعض الأحيان تلقى بها دروس العلم في المساجد؛ ولذا فإنها تتمتع بمكانةٍ كبيرة في نفوسهم، وهم ينظرون إليها نظرةَ احترام وتقديس، وهي في نظرِ كثير منهم لغةُ الفكر والحضارة والتاريخ، ولغة الرسالة التي يحمِلونها في الحياة، وهي لغة علمائهم وفقهائهم وأئمتهم، وهي بالنسبة إليهم ليست لغةَ قبيلة معينة، أو شعب معين، ولكنها لغة الأمَّة والإسلام، مهما اختلفت لغاتُهم وألوانهم، وأوطانهم وأزمانهم[21].

 

ولذا نجد أن الكثيرين منهم يحرِصون على تعلُّم العربية؛ وذلك لأن معرفة اللغة العربية لا تزال ملازمةً لحفظ القرآن الكريم وفهمه، وضرورة لفهمِ واستيعاب تعاليم الإسلام من مصادره الأساسية، وأيُّ مسلمٍ - بصرف النظرِ عن لغته الأمِّ - لا بدَّ له من الإلمام ببعض العبارات العربية، مثل الشهادتين: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، أو عبارة التحية: "السلام عليكم"، أو البسملة، أو غيرها، كما يجبُ عليه حِفظُ الفاتحة، وبعض الآيات القرآنية باللغة العربية، حتى يستطيعَ أن يؤدي صلاته، ومَن أراد أن يزداد تفقهًا في شؤون دِينه، فعليه أن يزدادَ عِلمًا باللغة العربية؛ ليطَّلع على المؤلَّفات الدِّينية المختلفة من كتب الفقه والشروح والتفاسير وكتب الحديث... إلخ.

 

وقد أدى هذا الارتباط الوثيق بين اعتناق الإسلام واللغة العربية إلى أنه جعَل للعربية درجة من الانتشار في كل المناطق التي تضمُّ جماعاتٍ مسلمة؛ ولذا يمكن القول: إن درجةَ حضور اللغة العربية في مكان ما غالبًا ما ترتبط بعدد المسلمين؛ لأنه يضمن - إلى حد كبير - إلمامَهم بطرَف ولو يسير منها، وكلما زاد عدد المسلمين كانت فرصة إقامة حلقات العلم والمدارس الإسلامية أكبر، الأمر الذي يستتبع إيجادَ تعليم إسلامي، ومن ثم انتشار للغة للعربية.

 

 

ومن هذا المخطط نرى أنه كما ساهم الإسلامُ في نشر اللغة العربية في إفريقيا، ساهم عددُ المسلمين الكبيرُ في الحفاظ على استقرار وثَبَات اللغة العربية هناك، بصرف النظر عن مستوى إتقانِهم لها؛ فعدد المسلمين الكبير لا يزال من أهم عوامل استقرار وثَبَات اللغة العربية في البلدان الإفريقية خارج نطاق العربية.

 

وأما فيما يخص وَضْع اللغة العربية في مؤسَّسات التعليم بإفريقيا، فقد وجدنا لها حضورًا في التعليم الحكومي في دول شرق إفريقيا، ولكنه لا يسيرُ على نمط واحد؛ حيث يختلف شكلُ هذا الحضور من دولة لأخرى؛ ففي إثيوبيا لم يكن للعربية حضورٌ في التعليم الحكومي حتى صدور دستور 1994 الذي بُنِيَت على أساسه السياسة التعليمية للدولة، والتي منحت كلَّ إقليم في الاتحاد الفيدرالي الحقَّ في تحديد لغات التعليم الخاصة به في مرحلة التعليم الأوَّلي، فاختار إقليم بني شنقول - جوموز اللغةَ العربية كلُغةِ تعليم في مرحلة التعليم الأوَّلي، أما على مستوى التعليم الجامعي فقد تم تأسيسُ شُعبة للغة العربية في جامعة أديس أبابا منذ عدة سنوات، ولكن هذه الشُّعبة لم تبدأ عمَلَها بشكل كامل حتى الآن.

 

وفي إريتريا نجد أن اللغةَ العربية يتم تدريسُها كمادة دراسية في المرحلة الأوَّلية، وفي المرحلة الثانوية، وطبقًا للسياسة التعليمية للحكومة الإرترية، فإن لكل قوميةٍ الحقَّ في استخدام لغتِها كلُغةِ تعليم في مرحلة التعليم الأوَّلي، بينما تُستَخدَم الإنجليزية كلغةِ تعليم في مراحل التعليم التالية، في حين تدرس اللغات الأخرى كمواد دراسية.

 

وهؤلا الطلاب الذين درسوا بالتيجرينية في المرحلة الأوَّلية سيدرُسون العربية كمادة دراسية، وفي مقابل ذلك فإن الطلابَ الذين درسوا بالعربية في المرحلة الأولية سيدرسون التيجرينية كمادة دراسية[22].

 

وإذا انتقلنا إلى جيبوتي، فإن اللغةَ العربية تُدرس في المدارس الحكومية مع الإنجليزية ابتداءً من الصف السابع، هذا بالإضافة إلى إنشاء قسم عربي في جامعة بول Paul التي تأسست عام 2002[23]، وقد ذكَر مستشار وزارة العدل الجيبوتية القاضي عبدالرحمن بشير في حديث له مع قناة الجزيرة أن الرئيسَ الجيبوتي قد أصدَر قراره لوزارة التعليم بأن تقرِّر مادة اللغة العربية والتربية الإسلامية ضِمن المنهج التعليمي ابتداءً من المرحلة الابتدائية، كما أدمجت المدارس التي تدرس باللغة العربية كاملة ضمن نطاق المؤسَّسة التعليمية الرسمية.

 

أما في أوغندا فيتم تدريسُ اللغة العربية في جامعة ماكيريري الحكومية، وقد بدأ تدريسُ العربية في هذه الجامعة في سبعينيات القرن الماضي، ولكنها لم تكُنْ تدرس كمادة منهجية للطلاب، إنما كان يدرسها الراغِبون كمادةٍ إضافية، ولكن تدريسها توقَّف عام 1979 مع تغيُّر النظام السياسي بسقوط حكومة عيدي أمين.

 

وفي عام 2003 - 2004م تمت الموافقةُ على عودة تدريس العربية بالجامعة رسميًّا؛ وذلك بعد توفُّر جهة تموِّل برنامج تعليم العربية في الجامعة، وهي جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، ومنذ ذلك التاريخ بدأ تدريسُ العربية بقسمِ اللغة العربية في كلية الآداب، وقد توسَّع القسم فيما بعدُ ليشملَ كلية التربية أيضًا.

 

وفي عام 2006 افتتح القسم مرحلةَ الدبلوم العالي في التربية باللغة العربية، كذلك افتُتِح نادٍ ثقافي عربي في الجامعة، يجمع كلَّ الطلاب الدارسين بالقسم، وتُلقَى فيه المحاضرات والدروس بالعربية، وتُناقَش فيه مسائل ثقافية واجتماعية تخص الطلبة المسلمين بالجامعة خاصة، والمجتمع الأوغندي بصورة عامَّة، وقد وصَل عدد الطلبة الذين يدرسون اللغة العربية في عام 2006 إلى 71 طالبًا وطالبة من منتسبي كليتي التربية والآداب بالجامعة[24].

 

وفي الصومال ورغم اعتماد العربية لغةً رسمية إلى جانب الصومالية، فإن اللغةَ الصومالية هي المسيطرةُ على التعليم الحكومي بشكل كبير، ويتم التدريس بالعربية فقط في المدارس الأهلية[25].

 

وفي زنجبار بتنزانيا يتم تدريسُ اللغة العربية كمادة دراسية في التعليم الحكومي؛ وذلك في المرحلة الابتدائية، بداية من الصف الرابع، وفي المرحلة المتوسطة، والمرحلة الثانوية[26].

 

وأما في مالي فتتم دراسة اللغة العربية في التعليم الحكومي بشكل بارز؛ ففي التعليم الابتدائي تدرس العربية من الصف الأول حتى السادس بالمدارس ثنائية اللغة (الفرنسية - العربية)، وهي تدرس مع اللغةِ الفرنسية على حدٍّ سواء، باعتبارهما لغة تعليم.

 

ويجب أن نشيرَ هنا إلى أنه يتمُّ تدريسُ العربيةِ في هذه المدارس باعتبارها لغةً فقط دون ربطها بالدين الإسلامي؛ وذلك استنادًا إلى المادة التي تنص على عَلمانية الدولة وعَلمانية التعليم في دستور دولة مالي.

 

ومِن ناحية أخرى يرسل أولياءُ الأمور أطفالَهم إلى هذه المدارس لغرض ديني؛ إذ يعتقدون أن تعليمَهم مبادئ اللغة يساعدُهم على فهم الإسلام، ويُسهِّل عليهم قراءةَ القرآن.

 

وفي المرحلة الإعدادية (الصف السابع والثامن والتاسع) تتحوَّل العربيةُ لمادة اختيارية من بين اللغات الأجنبية؛ حيث يُترَك للتلميذ حريةُ اختيار اللغة التي يرغبُ في تعلُّمِها، وهذا على المستوى النظري العام فقط، وأما في الواقع العملي فلا يوجَدُ في هذه المرحلة عدا الإنجليزية والعربية، ويخصَّص لهذه المادة الاختيارية ثلاث ساعات أسبوعيًّا.

 

وفي المرحلةِ الثانوية تستمرُّ العربية كلُغَةٍ اختيارية مع لغة أجنبية أخرى، ويتم اختيار اللغة الأولى وَفْقًا للُّغة التي درسها التلميذ في المرحلة الإعدادية، الإنجليزية أو العربية، وغالبًا ما تبقى اللغات الأخرى دائمًا في الاختيار الثاني.

 

كذلك للعربية حضورٌ في المعاهد التربوية، وفي التعليم الجامعي بمالي؛ فقد افتُتِح في عام 1997 معهدُ الهجرة التربوي في مدينة تنبكت، وهو معهدٌ حُكومي لتلبية حاجة المدارس العربية من مدرِّسي العربية، سواء في موادِّ اللغة العربية، أو المواد العِلمية؛ كالرِّياضيات والكيمياء والفيزياء، وتُعتَبَر اللغةُ العربية هي لغةَ التدريس في هذا المعهد، وتدرس اللغة الفرنسية كمادة دراسية، كما تستخدم الفرنسية أيضًا كوسيطٍ في تدريس بعض المواد؛ كالفلسفة، والتربية المدنيَّة، والرَّسم.

 

ونجدُ العربية في التعليم الجامعي تدرس في المدرسة العليا لإعداد المعلمين، كما تدرس أيضًا في شُعبة اللغة العربية بكلية الآداب، التي تضم تخصُّصينِ؛ الأول: في اللغة العربية فقط، والثاني: في اللُّغتين العربية والإنجليزية.

 

وتدرس اللغة العربية في الجامعةِ بأشكال أخرى، فتدرس كمادةٍ اختيارية في الأقسام والشُّعَب الأخرى، وكذلك تدرس في كليةِ الإدارة والحقوق والعلوم السياسية في السنتين: الثالثة، والرابعة[27].

 

ومن هنا، نستنتج أن حضورَ اللغة العربية في الدول الإفريقية مرتبطٌ أساسًا بفَهْم تعاليمِ الإسلام، وتطبيقُها في الواقع التعبُّدي مما يحتاج إليه المسلِمُ في هذه الدول الإفريقية.

 

اللُّغة العربية وسُبُل النهوض بها:

لا شك بأن اللغةَ العربية تحمل في ذاتها وسائلَ قوتها، وعوامل حياتها، بل هي اللغةُ التي حملت معانيَ الكتاب الحكيم، وكانت وسيلةً طَيِّعة في أيدي العلماء الباحثين من أسلاف هذه الأمَّة؛ ولهذا وجَدْنا (رنست رينان) يقول: "اللغةُ العربية بدأت فجأة على غايةِ الكمال، وهذا أغربُ ما وقَع في تاريخ البشر، فليس لها طفولةٌ ولا شيخوخة"[28].

 

ولا سبيلَ إلى نهضة الأمَّة واسترداد عافيتها ودورها الرسالي إلا إذا بوَّأتِ اللغةَ العربية مكانتَها السامقة في سُلَّم الأولويات المعرفية في التربية والتعليم والإعلام والثقافة والإدارة والشؤون الدولية، وصلاً بين حقيقة الدِّين ونسيج اللغة وحصاد العصر، وبناءً للأجيال الحاضرة والقادمة في ضوءِ تلك المعطيات الثلاث.

 

وأكبَر الظنِّ أن ذلك ليس أمرًا خارقًا ولا مستحيلاً، رغم العقبات الكؤود التي لا يجوزُها إلا أهلُ البصائر واليقين المبدئي والعِلم الراسخ، ورغم الفتنة الحضارية التي تلبَسُ مُسوحَ "العِلم" و"الحرية" و"العدالة"، ويروج له دعاةُ النظام العالمي الجديد بأُنموذَجِه القطبي الواحد في الثقافة والعولمة، وأنماط الاستهلاك والأسواق الحُرَّة، والقِيَم البرجوازية، وغير ذلك من المفاهيم الدِّعائية، والمصطلحات الفضفاضة.

 

الخاتمة:

تبيَّن لنا مما سبق أن اللغةَ العربية هي لغةٌ قوية في ذاتها، وفي هذا يقول الألماني فريتاغ: "اللغةُ العربية أغنى لغاتِ العالم"، بل هي لغةٌ تستطيع مواكبةَ العصر؛ لِما تحمِلُه من خصائصَ، مما يدل على ذلك قول وليم ورك: "إن للعربية لِينًا ومرونةً يمكِّنانِها من التكيُّف وَفْقًا لمقتضيات العصر"،ونقَل السيوطي عن ابن فارس أن كلامَ العرب لا يحيط به إلا نبي".

 

ويعتبر كثيرٌ من المفكرين أن "العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصوِّر ألفاظُها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتُها خطواتُ الضمير، ونبضات القلوب، ونبرات الحياة"[29].

 

ويقول مصطفى صادق الرافعي: "إنما القرآن جنسيةٌ لغوية تجمع أطرافَ النسبة إلى العربية، فلا يزال أهلُه مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حُكمًا".

 

ونستنتج في نهاية هذه الورقة، ومن هذه الشهادات السابقة، أنه تأكَّد لنا بكل وضوح أنه لا توجدُ في هذه الدنيا لغاتٌ ميتة، ولغات حية، إنما كل اللغات يمكن أن تصبح حيةً إذا ظل أبناؤها أحياءً، وأصروا على ذلك، مثل الأمم الأخرى، والعكس صحيح، فإذا كان أبناء الأمَّة، أو المنتسبون إليها، ميِّتين أو ضِعافًا، فلا تُحييهم ولا تُقوِّيهم لغاتُهم، مهما تكن راقية، ولا ترفع من شأنهم اللغاتُ الأجنبية التي يتبنَّوْنها ويفرِضونها على الشعوب كلغاتِ تعليمٍ وإدارة وإعلام في أوطانهم، لينافسوا بها لغاتِهم القومية، فهذا قد جربناه في السنوات الخالية، وذُقْنا نتائجه المريرة، أمَا آن لنا أن نعودَ إلى رشدنا، ونتمسَّك بلغتِنا؛ لنبلغ مجدَنا، ونصنعَ سؤددَنا!

 

وفي تمسُّكنا بلغتنا تمسُّك بكتاب ربنا، يقول مصطفى صادق الرافعي: "إنما القرآن جنسية لغوية، تجمع أطرافَ النسبة إلى العربية، فلا يزال أهلُه مستعربين به، متميِّزين بهذه الجنسية، حقيقةً أو حُكمًا"؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: 2]، وقال أيضًا ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الزمر: 27، 28].



[1] الأستاذ الدكتور فرحان السليم، اللغة العربية ومكانتها بين اللغات، مقال منشور في الشبكة العنكبوتية.

[2] مقولة للفيلسوف الألماني فيخته.

[3] الراهب الفرنسي غريغوار.

[4] مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، اللغة والأمة، ج3.

[5] الدكتور علي القاسمي، مجلة الفوانيس.

[6] شارل ديغول: مذكرات الأمل، منشورات عويدات، بيروت، دون تاريخ، ص.47.

[7] المصدر نفسه، ص 55.

[8] واقع اللغة العربية في البلدان الإفريقية، مقال منشور في الشبكة العنكبوتية.

[9] حافظ إبراهيم، الديوان.

[10] د. أحمد بن نعمان، واقع اللغة العربية في أجهزة الإعلام(عرض تقويمي)، مقال على الشَّبكة العنكبوتية.

[11] المرجع نفسه.

[12] المرجع السابق.

[13] نقلاً عن صحيفة "المجاهد" الجزائرية الصادرة بتاريخ: 24/09/1996م.

[14] الشيخ عبدالحميد بن باديس، قانون الثامن مارس المشؤوم، مجلة البصائر الجزائرية، ع سنة 1939م.

[15] د. أحمد بن نعمان، واقع اللغة العربية في أجهزة الإعلام (عرض تقويمي)، مقال على الشبكة العنكبوتية، بتصرف.

[16] Ahmed Ben bella: op - cit, pp.116 - 117.

[17] محمد المنجي الصيادي: التعريب وتنسيقه في الوطن العربي، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت: 1980، ص 164.

[18] الدكتور محمد غوري (عضو اتحاد الأطباء العرب)، تعريب الطب واقع اللغات وطموحات.
[19] تشير بعض التقديرات (لعام 2005) إلى أن أعلى نسبة للمسلمين في دول جنوبي إفريقيا تصل إلى 20 % في كل من مالاوي وموزمبيق، تليهما موريشيوس 16.6%، ثم سوازيلاند 10%، فمدغشقر 7%، أما أدنى نسبة للمسلمين فتمثلها بالتساوي كلٌّ من أنجولا وبتسوانا وزامبيا وزيمبابوي، وذلك بنسبة 1%، وبين أعلى نسبة وأدنى نسبة تأتي نامبيا بـ: 3%، وليسوتو بـ: 2%، وجنوب إفريقيا بـ: 1.5% على التوالي.

جاه الله، كمال محمد (2006): "أوضاع المسلمين في الجنوب الإفريقي في العقدين الأخيرين"، أعمال المؤتمر الدولي، الإسلام في إفريقيا، الكتاب العاشر، جامعة إفريقيا العالمية - السودان، ص 113.

[20] عثمان، عبدالرحمن أحمد، مصطفى، أحلام عبدالرحيم أحمد (2006): "تحديات الإسلام والمسلمين في إفريقيا المعاصرة"، أعمال المؤتمر الدولي، الإسلام في إفريقيا، الكتاب العاشر، جامعة إفريقيا العالمية - السودان، ص 302 - 306.

[21] أبو بكر، يوسف الخليفة (2006): "اللغة العربية في إفريقيا"، في "اللغات في إفريقيا مقدمة تعريفية"، جامعة إفريقيا العالمية - السودان، ص 103.

[22] Hailemariam, Chefena, etal.(1999): “Multilingualism and Nation Building: Language and Education in Eritrea”, Journal of Multilingual and Multicultural Development, Vol.20, No.6, 1999,p.489.

[23] جاه الله، كمال محمد (2006): "وضع اللغة العربية في دول القرن الإفريقي"، أعمال المؤتمر الدولي، الإسلام في إفريقيا، الكتاب الثالث، جامعة إفريقيا العالمية - السودان، ص 234.

[24] سالي، إبراهيم علي (2006): "وَضْع اللغة العربية في المؤسسات التعليمية الحكومية بأوغندا: جامعة ماكيريري أنموذجًا"، أعمال المؤتمر الدولي، الإسلام في إفريقيا، الكتاب الثامن، جامعة إفريقيا العالمية - السودان، ص 172 - 173.
[25] جاه الله، كمال محمد (2006): "وضع اللغة العربية في دول القرن الإفريقي"، ص 243.

[26] زيدي، عيسى الحاج (2006): "تطور التعليم الإسلامي في زنجبار، دور المنظَّمات الإسلامية غير المحلية في إحياء التعليم الإسلامي ما بين 1972م - 2006: تحدياتها وإنجازاتها"، أعمال المؤتمر الدولي، الإسلام في إفريقيا، الكتاب السابع، جامعة إفريقيا العالمية - السودان، ص 422.

[27] سيسي، عبدالرحمن عبدالله (2006): "وَضْع اللغة العربية في جمهورية مالي"، أعمال المؤتمر الدولي، الإسلام في إفريقيا، الكتاب الثامن، جامعة إفريقيا العالمية - السودان، ص 383 - 387 10 -درامي، بكري: "حضور اللغة العربية في بلدان إفريقيا الفرنكفونية جنوب الصحراء الواقعة جنوب الصحراء.

".http://www.11c11.com/vb/showthread.php?t=7086.

[28] رنست رينان، مفكر غربي.

[29] عبدالله عزام، مفكر عربي.