الخطب و المحاضرات
الدروس
حكم
نصائح مهمة
جديد الموقع
انشر الموقع
في الموقع حاليا

مملكة للبيع





مملكة للبيع



كنت ذات يوم أمشي و أنا أتأمل في ملكوت الله تعالى أمتع النظر في هذا الكون الفسيح الجميل  ثم جلست أمام البحر أنظر في أمواجه الذاهبة الآتية و الآتيات أكثر من الذاهبات ،و تيقنت بأن نعم الله علينا كثيرة و متعددة . و ما هي إلا  جند من جنود الله التي  تمتثل أمره سبحانه.

وقلت في نفسي لو أن الله أمر جندا من جنوده " {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} المدثر(31)أن يتوقف عن العمل ما ذا سيحدث في هذا العالم ؟و ما ذا سيحدث لهذا الإنسان ؟ أسئلة كثيرة تبادرت إلى ذهني و جعلتني أفكر في الأمر بجدية و تمعن.

فلو أمر الله الماء الذي هو من أكبر النعم التي أنعم الله بها على الإنسان ؛بل و جميع المخلوقات  أن يغور ،فجفت البحار و المحيطات و السدود و غيض الماء و جفت الينابيع و الأنهار وبدأت المخلوقات تحس بالعطش الشديد.

و قلت في نفسي ماذا سيحل بذلك الإنسان الذي كان يتفاخر بقوته و يظلم الناس ؟هل سيواصل فيما هو فيه أم أنّه سيصبح كالحمل الوديع بل ستتحطم تلك الغطرسة و قد يصير ذليلا من أجل أن يحصل على قطرة ماء.
و ماذا سيحل بالمليحة الحسناء التي كانت تتباهى بجملها على الشاشات و المعارض و تسول لها نفسها أشياء و أشياء هل ستبقى في جمالها أن الحسن يندثر و يمّحي و لا يبقى له أثر .

و ماذا سيحدث للطيار الذي يسوق طائرته ذات التقنيات العالية إذا أصابه العطش الشديد ،طبعا سينزل طائرته و يبحث عن الماء و لا يتذكر شيئا؟ و قل نفس الشيء عن الربان و عن قائد السيارة الفاخرة التي يتباهى بها أمام الناس ،ليته صنعها فتكون مباهاته في محلها و لايلومه أحد ،كلهم سيتركون ما يملكون كما كانوا يعتقدون و يبحوث عن الماء هذا الذي جعل الله منه كل شيء حي .
و إذا دخلنا قصر ملك من الملوك أو غني من الأغنياء الذي كان يمشي مشية المتعجرف ظانا منه أن الملك ملكه و المال ماله و الرزق رزقه يظلم خادمه ماذا سيحدث له إذا استيقظ ذات يوم فلم يجد الماء في جميع قصره ولا في بلدته و لا في محيطه ،فينادي على خادمه :الماء الماء ...فيقول له الخادم :يا سيدي إني أشكو مما منه تشكو ثم ينصرف و يتركه فيترجاه الملك قائلا :سأعطيك كل ما أملك فقط أجلب لي جرعة ماء ؛بل سأبيع لك مملكتي مقابل تلك الجرعة من الماء .فيقول له الخادم بلسان المتهكم :و ما ذا يساوي ملكك و رزقك ؟ أرأيت إلى مملكة للبيع؟  مملكة لا تساوي حتى جرعة ماء؟

و انظر إلى أولائك الذين يتصارعون من أجل المنصب و الكرسي و يكيد بعضهم إلى بعض و يتربصون ببعضهم الدوائر ماذا سيحدث لهم لو حل بهم العطش الشديد؟ و بحثوا عن الماء و ليس عن المناصب الزائلة طبعا سيتناسون كل تلكم المناصب و يتنازلون عنها من أجل جرعة ماء . كل هذا سيحدث و غيره أكبر و أشنع و أفظع إذا أمر الله الماء أن يغور 

و من هنا ؛فإننا نلاحظ من خلال ما سبق بأن:

-القوة من عند الله فلو كانت القوة بأيدينا لاستطعنا أن جلب الماء.

-الجمال ليس بأيدينا بل هو هبة من الله   فهو "زينة خص الله بها بعض الصور عن بعض ، وهي من زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها : (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ) فاطر/1 قالوا : هو الصوت الحسن والصورة الحسنة "

-الصحة و العافية و غيرهما من الله وحده.

فهذه النعم التي تحيط بنا و تغمرنا وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21/الذاريات) هذه النعم لا تستأهل إلا الشكر للمنعم الجليل الذي أصبغها علينا .
فهذا الماء الذي نسرف في صبه أثناء الاغتسال و في كل مكان تصبح عند غوره جرعة واحدة منه تساوي الدنيا و ما فيها فالماء هبة عظيمة الله .
يقول الماء عن نفسه:
وأهلك الله قوم نوح لما طغوا بي لهم شقاء
وليس لي صورة ولون لوني كما لون الإناء
وقال عني الإله رجس الشيطان بي ذاهب هباء
والخلق يرجونني إذا ما مسكت عنهم لهم دعاء
والأرض تهتز بي وتربو فيخرج النبت والدواء...
هذا الماء هو الحياة بكل معانيها و مدلولاتها ،فما علينا إلا أن نشكر ربنا الذي أمدنا به من غير حول لنا و لا قوة.
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِين}





[1] -روضة المحبين،ابن القيم الجوزية.