الخطب و المحاضرات
الدروس
حكم
نصائح مهمة
جديد الموقع
انشر الموقع
في الموقع حاليا

تفسير سورة الفيل

صورة






تفسير سورة الفيل

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [الفيل: 1 - 5].


قصة أبرهة[1] وهجومه على الكعبة قصةٌ تَطوي في ثناياها دلالاتٍ عظامًا، على القارئ للقرآن الكريم التريُّث عِندها؛ ليَستشِفَّ تلكم الدَّلالات، فالحوادث العظيمة لها وقعٌ على الناس حتى تصير حديث العام والخاص؛ بل ترويها الأجيال، وتتناقلها الألسن.

 

والعجَب أن حادثة الفيل أصبحت تاريخًا يؤرَّخ، ومولد سيد البشر كان فيه، ومِن ثَم فإن ميلاده والحادثة برهانان للعرب بأن خضوعهم لأهل الكتاب في اليمن يَستطيعون التخلُّص منه، وأن عزتهم في عبادة ربِّ هذا البيت الذي حَماه، وفي هذا المولود الجديد الذي سيُخلِّص العرب بخاصة والعالم بعامة مِن قبضة الظلَمة المُتغطرِسين.



ونحن نعلَم أن العرب لم يكونوا شيئًا مذكورًا قبل مبعَث سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ومِن هنا فعزَّتهم وقوَّتُهم في هذا الدِّين العظيم، الذي وصفه ربعي بن عامر: "إن الله ابتعثنا لنُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومِن ضيق الدنيا إلى سَعة الآخِرة، ومِن جور الأديان إلى عدل الإسلام".

 

وعلى ما سبق، فإن الفِكرة الوحيدة التي تقدَّم بها "العرب للبشرية، كانت هي العقيدة الإسلامية، وهي التي رفعتهم إلى مكان القيادة، فإذا تخلوا عنها لم تعدْ لهم في الأرض وظيفة، ولم يعدْ لهم في التاريخ دور، وهذا ما يجب أن يذكره العرب جيدًا إذا هم أرادوا الحياة، وأرادوا القوة، وأرادوا القيادة" [2]


حول المعجم:

الكيد: وردت كلمة الكيد في القرآن كله تسع و عشرون (29) مرة، وهي تدلُّ على معالجةٍ لشيء بشدّة. قال أهلُ اللُّغة: الكيد: المعالجة. وكلُّ شيءٍ تُعالِجُه فأنت تَكِيدُه. هذا هو الأصل في الباب، ثم يسمُّون المَكر كيداً. قال الله تعالى: ﴿ أمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ﴾ [الطور:42].


ويقولون: هو يَكيدُ بِنَفسهِ، أي يجودُ بها، كأنَّه يُعالِجها لتخرُج.والكَيْد صِياح الغراب بجَهْدٍ .والكَيد أن يُخرِج الزّندُ النّار ببطءٍ وشدة، والكَيد: القَيء، وربّما سمَّوا الحَيض كيداً.


والكَيد الحرب، يقال: خرجوا ولم يلقَوْا كيداً، أي حرباً، والمقصود به في هذه السورة الكريمة، والله أعلم، هو بمعنى المكر والحرب.

 

الأبابيل: ﴿ أَرسل عليهم طيراً أَبابيل ﴾، وقيل إِبَّالة وأَبَابيل وإِبالة كأَنها جماعة، وقيل: إِبَّوْل وأَبابيل مثل عِجَّوْل وعَجاجيل، ولم يقل أَحد منهم إِبِّيل على فِعِّيل لواحد أَبابيل، وزَعم الرُّؤَاسي أَن واحدها إِبَّالة. ولو قيل واحد الأَبابيل إيبالة كان صواباً كما قالوا دينار ودنانير، وقال الزجاج في قوله طير أَبابيل: جماعات من ههنا وجماعات من ههنا، وقيل: طير أَبابيل يتبع بعضها بعضاً إِبِّيلاً إِبِّيلاً أَي قَطيعاً خَلْفَ قطيع؛ قال الأَخفش: يقال جاءت إِبلك أَبابيل أَي فِرَقاً، وطير أَبابيل،  وهذا يجيء في معنى التكثير وهو من الجمع الذي لا واحد له؛ وفي نوادر الأَعراب: جاء فلان في أُبُلَّتِه وإِبالته أَي في قبيلته. وفي العموم هي تدل على الكثرة والجماعات.

 

سجيل: وردت هذه الكلمة في القرآن ثلاث(03) مرات، والمقصود به في قوله تعالى:﴿ ترْمِيهم بحِجارة من سِجِّيل ﴾؛  هو حجر من طين، مُعَرَّب دَخِيل، وهو سَنْكِ رَكِل قوله «وهو سنك وكل» قال القسطلاني: سنك، بفتح السين المهملة وبعد النون الساكنة كاف مكسورة. وكل، بكسر الكاف وبعدها لام أَي: حجارة وطين؛ قال أَبو إِسحق: للناس في السِّجِّيل أَقوال، وفي التفسير أَنها من جِلٍّ وطين، وقيل من جِلٍّ وحجارة، وقال أَهل اللغة: هذا فارسيٌّ والعرب لا تعرف هذا؛ قال الأَزهري: والذي عندنا، والله أَعلم، أَنه إِذا كان التفسير صحيحاً فهو فارسي أُعْرِب لأَن الله تعالى قد ذكر هذه الحجارة في قصة قوم لوط فقال:﴿ لنُرْسِل عليهم حجارةً من طين ﴾؛ فقد بَيَّن للعرب ما عَنى بسِجِّيل. وقد وافق اسم سلاح التعذيب المعذَّب في كون كليهما غير عربيين.

 

عصف: وردت هذه الكلمة في القرآن ثلاث(03) مرات ، وههنا﴿ كعَصْف مأَكول ﴾، له معنيان: أَحدهما أَنه جعل أَصحاب الفيل كورق أُخذ ما فيه من الحبّ وبقي هو لا حب فيه، والآخر أَنه أَراد أَنه جعلهم كعصف قد أَكله البهائم. ﴿ والحبُّ ذو العَصْف والرَّيْحانُ ﴾؛ يعني بالعصف ورق الزرع وما لا يؤكل منه، وأَمّا الريحان فالرزق وما أُكل منه، وقيل : العَصف والعَصِيفةُ والعُصافة التّبْن، وقيل: هو ما على حبّ الحِنطة ونحوها من قُشور التبن.

 

وعلى هذا؛ فقد أصبح جيش أبرهة عبارة عن أجساد ملقاة على الأرض، لا روح فيها، و لا حركة، ولا حياة؛ بل أجسام بالية لا ترى فيها ولا حولها إلا حطاما وانكسارا.

 

مجمل معنى السورة: الخطاب موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيه استفهام تقريري يثبت ما وقع لجيش أبرهة الذي حاول هدم الكعبة المشرفة ليلفت الناس عنها، ولكنّ ربك بالمرصاد فحوّل كيدهم إلى هزيمة نكراء جعلت منهم أحاديث ترويها الأجيال وتناقلها الأخبار.

 

والمقصد العام هو أن الأمر لله من قبل ومن بعد.

 

الفوائد العظيمة للسورة:

1- نصر الله آت ولو بعد حين.

 

2- تثبت هذه السورة على أن أعظم بيت فوق الأرض هو بيت الله الحرام في مكة، التي هي موطن خاتم الرسل، صلى الله عليه وسلم.

 

3- في السورة دعوة واضحة إلى الثقة بالله تعالى، وأنه هو وحده سبحانه القادر على نصرة دينه وبيته و نبيه و أوليائه، و من تدبر هذه السورة بإمعان أدرك لا محالة سر حفظ الله لبيته بسرب من الطير الضعيف من جيش عرمرم، وفي هذا يقول ابن تيميَّة :"مَن تدبَّر القرآن طالبًا الهدى منه، تبيَّن له طريق الحق".[3]

 

4- و في زماننا هذا ؛ فإن نصر الله قريب ولكن لابد من تحقيق الشرط ليتحقق جواب الشرط، لأن القاعدة القرآنية تقول:﴿ إن تنصروا الله ينصركم ﴾.

 

5- وجاء التشبيه في النص الكريم تشبيه مرسلا ليدع للقارئ باب التدبر مفتوحا على مصراعيه، ليفهم ما شاء من معان وصور.

 

6- ما نوع العذاب الذي أباد به الله أبرهة وجنده ؟ وكيف أثرت تلكم الحجارة التي لا تتعدى حبة الحمص في أجسام غلاظ فجعلتهم كعصف مأكول ؟ هنا تكمن عظمة الله ،سبحانه وتعالى، في فعله ما يشاء بما يشاء كيف يشاء بمن يشاء ؟فلا عجب "من أن يرسل الله طيرا خاصا يحمل حجارة خاصة تفعل بالأجسام فعلا خاصا في اللحظة المقررة"[4].

 

7- فائدة عظيمة فقد أخرج البخاري أنه: "لما أطلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش، بركت ناقتُه، فزجَروها، فألحَّت، فقالوا: خلأت القصواء؛ أي: حَرَنَتْ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلُق، ولكن حبَسها حابسُ الفيل))، ثم قال: ((والذي نفسي بيده، لا يَسألوني اليوم خطةً يُعظِّمون فيها حُرماتِ الله، إلا أجبتُهم إليها))، ثم زجَرها، فقامت.

 

وفي الصحيحين أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال يوم فتح مكة: «إن اللَّه حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فيبلّغ الشاهد الغائب».

 

8- و مما يلاحظ، أيضا، على أنَّ القصة فيها تنبيه عظيم للعالَمين على أن أمرًا عظيمًا سيَحدث، وفيها أيضًا تكريم الله للكعبة، وإنعامه على قريش بدفع العدو عنهم، فكان يجب عليهم المُبادَرة إلى الإيمان برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وعبادة الله، وشُكره على نَعمائه."[5].

 

هذا والله أعلم.



[1] ابن الصَّبّاح من ملوك اليمن، وهو أَبو يَكْسُوم ملك الحَبَشة صاحب الفيل الذي ساقَه إِلى البيت الحرام فأَهلكه الله.

[2] قطب، سيد :"في ظلال القرآن"، دار الشروق - القاهرة، الطبعة الشرعية الحادية عشرة، 1405هـ - 1985م.

[3] العقيدة الواسطية: 103.

[4] قطب، سيد :"في ظلال القرآن"، دار الشروق - القاهرة، الطبعة الشرعية الحادية عشرة، 1405هـ - 1985م.

[5] الزحيلي،ابن مصطفى وهبة:التفسير المنير في العقيدة و الشريعة و المنهج.