الخطب و المحاضرات
الدروس
حكم
نصائح مهمة
جديد الموقع
انشر الموقع
في الموقع حاليا

سورة الإخلاص

صورة






سورة الإخلاص

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  


شرح المفردات القرآنية:

الإخلاص: أخلَصه وخلَّصه وأخلَص لله دينَه: أمحضه.

 

وأخلص الشيء: اختارَه، وقُرئ: إلا عبادك منهم المُخلِصين، والمُخلَصين؛ قال ثعلب: يعني بالمُخلِصين الذين أخلَصوا العبادة لله تعالى، وبالمُخلَصين الذين أخلَصهم الله - عز وجل.

 

الزجاج: "وقوله: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا ﴾ [مريم: 51]، وقرئ: مخلِصًا، والمُخلَص: الذي أخلَصه الله جعله مختارًا خالِصًا من الدنس، والمُخلِص: الذي وحَّد الله - تعالى - خالصًا.


الصَّمد: الصاد والميم والدال أصلان: أَحدُهما القصد، والآخَر الصلابة في الشيء؛ فالأول: الصَّمد: القصد، يُقال: صمدتُه صَمدًا، وفلان مُصمَّد، إذا كان سيِّدًا يُقصَد إليه في الأمور.

 

والله - جل ثناؤه - الصمد؛ لأنه يَصمِد إليه عبادُه بالدعاء والطلب؛ قال في الصمد:

علوتُه بحُسامٍ ثمَّ قلتُ له 
خُذْها حُذَيفُ فأنت السيِّد الصمَدُ 

 

وقال في المُصمَّد طرَفَةُ:

وَإِنْ يَلتَقِ الحَيُّ الجَميعُ تُلاقِني 
إِلى ذِروَةِ البَيتِ الرَفيعِ المُصَمَّدِ 

 

والأصل الآخَر: الصمد، وهو كل مكانٍ صُلْب.

 

كفؤًا: تقول: ما لي به قِبَل ولا كِفاء، أي: ما لي به طاقة على أن أُكافِئه، وقول حسان بن ثابت:

وَرُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ 

 

أي: جبريل - عليه السلام - ليس له نَظير ولا مَثيل، وفي الحديث: ((فنظر إليهم فقال: مَن يُكافئ هؤلاء؟))، وفي حديث الأحنف: ((لا أقاوم مَن لا كِفاء له))؛ يعني: الشيطان، ويروى: ((لا أقاول))، والكَفيء: النظير، وكذلك الكُفْء والكُفُوء، على فُعْل وفُعُول، والمصدر: الكَفاءة - بالفتح والمدِّ - وتقول: لا كِفاء له - بالكسر - وهو في الأصل مصدَر؛ أي: لا نظيرَ له، والكفْء: النظير والمُساوي، ومنه الكفاءة في النِّكاح، وهو أن يكون الزَّوج مُساويًا للمرأة في حسَبِها ودينِها ونسَبِها وبَيتِها وغير ذلك، وتكافأ الشَّيئان: تماثَلا، وكافَأه مُكافَأةً وكِفاءً: ماثَله.


فائدة في أوجه القِراءة:

قال الزجاج في قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4]: "فيها أربعة أوجُه في القراءة كُفُوًا، بضمِّ الكاف والفاء، وكُفْوًا، بضمِّ الكاف وإسكان الفاء، وكِفْوًا، بكَسرِ الكاف وسكون الفاء، وقد قُرئ بها، وكِفاءً، بكَسرِ الكاف والمدِّ، ولم يُقرأ بها، ومعناه: لم يكن أحد مثلاً لله - تعالى ذكره.

 

اسم السورة:

سمِّيتْ هذه السورة بـ"سورة الإخلاص"؛ لجملةٍ مِن الأمور، منها ما قاله ابن الأثير: سُميتْ بذلك؛ لأنها خالصة في صفة الله - تعالى وتقدَّس - أو لأن اللافِظ بها قد أخلَص التوحيد لله - عز وجل - وكلمة الإخلاص كلمة التوحيد، وقوله تعالى: ﴿ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: 24]، وقُرئ: المُخلِصين، فالمُخلَصون: المُختارون، والمُخلِصون: الموحِّدون، والتَّخليص: التَّنجيَة مِن كل مَنشَب، تقول: خلَّصتُه مِن كذا تَخليصًا؛ أي: نجَّيتُه تنجِيةً فتخلَّص، وتَخلَّصه تَخلُّصًا كما يُتخلَّص الغزْل إذا الْتبَس، والإخلاص في الطاعة: ترك الرياء، وقد أخلصْت لله الدِّين.

 

مجمل معنى السورة:

افتِتاح هذه السورة بالأمر بالقول؛ لإظهار العنايَة بما بعْد فِعْل القول؛ كما في قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ [الكافرون: 1]، ولذلك الأمرِ في هذه السورة فائدةٌ أخرى، وهي أنها نزَلت بسبب قول المُشرِكين: انسُبْ لنا ربك، فكانت جوابًا عن سؤالهم؛ فلذلك قيل له: ﴿ قل ﴾، كما قال تعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [الإسراء: 85]، فكان للأمر بفعل ﴿ قل ﴾ فائدتان، وضمير ﴿ هو ﴾ ضمير الشأن؛ لإفادة الاهتِمام بالجملة التي بعدَه، وإذا سمعه الذين سألوا تطلَّعوا إلى ما بعدَه، ووصْف الله بأنه ﴿ أحد ﴾ معناه: أنه مُنفرِد بالحقيقة التي لوحِظَت في اسمه العلَم، وهي الإلهية المعروفة، فإذا قيل: ﴿ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ فالمراد أنه مُنفرِد بالإلهية، وإذا قيل: الله واحد، فالمراد أنه واحد لا مُتعدِّد؛ فمَن دونه ليس بإله، ومآلُ الوصفَين إلى معنى نفْي الشريك له - تعالى - في إلهيَّته، والمعنى: أن الله مُنفرِد بالإلهية لا يُشارِكه فيها شيء مِن الموجودات، وهذا إبطال للشِّرك الذي يَدين به أهل الشرك، وللتثليث الذي أحدثه النَّصارى الملْكانية وللثانوية عند المَجوس، وللعدد الذي لا يُحصَى عند البَراهمة.

 

و﴿ الصمد ﴾: مِن صفات الله، والله هو الصمد الحقُّ الكامل الصمديَّة على وجه العُموم، فالصمد من الأسماء التِّسعة والتسعين في حديث أبي هريرة عند التِّرمذيِّ، ومعناه: المُفتقِر إليه كلُّ ما عَداه، فالمعدوم مُفتقِرٌ وجودُه إليه، والموجود مُفتقِر في شؤونه إليه.

 

نفَتْ هذه الآية الكريمة صفة التوالُد عن الله - سبحانه وتعالى - على عكس ما نجد عند الدِّيانات الباطِلة الأخرى التي تقول بهذا المزعم الباطل، فالله واحد أحد، ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 3، 4] إن هذه الآية شامِلة وجامِعة لما قَبلها، بل للقرآن الكريم بأكملِه؛ لأنها تَنفي نفيًا قاطعًا أن يكون لله ندٌّ أو نَظير أو شريك أو مُشابِه.

 

فوائد السورة:

1- وردت في فضْل هذه السورة أخبارٌ صحيحة وحسَنة استوفاها المفسِّرون، وثبت في الحديث الصحيح في "الموطأ" والصحيحَين مِن طرُق عدَّة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ تَعدِل ثلُث القرآن))، واختلفت التأويلات التي تأوَّل بها أصحاب معاني الآثار لهذا الحديث، ويَجمعها أربعة تأويلات:
الأول: أنها تَعدِل ثلُث القرآن في ثواب القراءة؛ أي: تَعدل ثلث القرآن، و لو كرَّرها القارئ ثلاث مرات كان له ثواب مَن قرَأ القرآن كلَّه.

 

الثاني: أنها تَعدِل ثلُث القرآن إذا قرَأها مَن لا يُحسِن غيرَها مِن سوَر القرآن.


الثالث: أنها تَعدِل ثلُث معاني القرآن باعتبار أجناس المعاني؛ لأن معاني القرآن أحكامٌ وأخبار وتوحيد، وقد انفرَدت هذه السورة بجمعِها أصول العقيدة الإسلامية ما لم يَجمعه غيرها.

 

الرابع: أنها تعدل ثلث القرآن في الثواب مثل التأويل الأول؛ ولكن لا يكون تكريرها ثلاث مرات بمنزلة قراءة ختمة كاملة.

 

2- هذه السورة في حقِّ الله تعالى، مثل سورة الكوثر في حقِّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكنَّ الطعْن في حقِّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان بسبب أنهم قالوا: إنه أبتر لا ولد له، وهنا الطعن بسبب أنهم أثبَتوا لله ولدًا؛ لأن عدم الولد في حقِّ الإنسان عيب، ووجود الولد عيبٌ في حقِّ الله تعالى؛ ولهذا السبب قال هنا: ﴿ قل ﴾؛ ليَدفَع عن الله، وفي سورة ﴿ إنا أعطيناك ﴾ لم يقلْ: (قل)، وإنما قال الله ذلك مُباشَرة، حتى يدفَع بنفسِه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم.


3- جاء في صحيح البخاري: ((لا أحد أصبر على أذًى سمعه مِن الله؛ إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويُعافيهم)).


وروى البخاري أيضًا وعبدالرزاق عن أبي هُرَيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((قال الله - عز وجل -: كذَّبني ابن آدَم، ولم يكن له ذلك، وشتَمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يُعيدَني كما بدأني، وليس أول الخَلقِ بأهون عليَّ مِن إعادته، وأما شَتمُه إيَّاي، فقوله: اتَّخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألدْ ولم أولَد، ولم يكن لي كفوًا أحد".


4- قال قتادة والضحاك ومُقاتِل: "جاء ناس مِن اليهود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: صِفْ لنا ربك، فإن الله أنزل نعتَه في التوراة، فأَخبِرنا مِن أي شيء هو؟ ومِن أي جنس هو؟ أذهب هو أم نُحاس أم فضَّة؟ وهل يأكل ويَشرب؟


وممَّن ورث الدنيا ومَن يورثها؟ فأنزل الله - تبارك وتعالى - هذه السورة".


5- أخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  يُردِّدها، فلما أصبح، جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكَر ذلك له، وكأن الرجل يَتقالُّها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((والذي نفسي بيده، إنها لتَعدِلُ ثلث القرآن)).


فائدة عظيمة:

جاءت هذه السورة الكَريمة في آخِر القرآن لتُذكِّر بعظمة الله ووَحدانيَّتِه ولترسخها في النفوس، علمًا بأن القرآن الكريم يدعو إلى التوحيد الخالص.

 

وأما سرُّ ترتيب السور الثلاث، ففيه فائدة عظيمة، تتمثل فيما يلي:

 يا أيها الداعي والمستعيذ بالله مِن شرِّ الفلق والمخلوقات والوَسواس الخنَّاس، عليك أولاً أن تُثني على الله بما هو أهلٌ له، وتُعظِّمه وتُجلَّه، ثم ادْع بما شِئتَ، تجده قريبًا مُجيبًا سبحانه.

 

 بيَّنت السورة الكريمة اسم الله الأعظم قبل التعوُّذ في السورتَين اللاحِقتَين،فعن بريدة - رضي الله عنه - أن رسول الله سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسالك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلدْ ولم يولَد ولم يكن له كفوًا أحد، فقال: ((لقد سألت الله - تعالى - بالاسم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب))، وفي رواية: ((لقد سألت الله - تعالى - باسمِه الأعظم))؛ رواه في سننه الترمذي وأبو داود وابن ماجه، قال ابن حجر: "إن هذا الحديث أرجح ما ورَد في الاسم الأعظم؛ مِن حيث السنَد"، وصحَّحه ابن حبان والحاكم والذهبي، وقوَّاه المَقدسيُّ، وصحَّحه الألباني والوادعي، وحسَّنه الترمذي والسَّخاوي.