الخطب و المحاضرات
الدروس
حكم
نصائح مهمة
جديد الموقع
انشر الموقع
في الموقع حاليا

وقفة بيانية مع سورة النصر

صورة

سنحاول في هذه الوقفة البيانية تتبُّع ظلال الآي الكريم في هذه السورة المباركة؛ قال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1-3].

بين يدي عنوان السورة:
اسم السورة يدل على الحقيقة الحتمية التي تنتج عن العمل الخالص، الذي بني على أسس سليمة من شوائب الشرك والرياء والغرور، و{إذا} - كما هو معلوم لغويًّا -: تدلُّ على المستقبل، فالمستقبل فيه النصر إذا كان الشرط محققًا.

فما معنى {النصر} لغويَّا؟
النون والصاد والراء أصلٌ صحيح - كما جاء في قواميس اللغة - يدلُّ على إتيان خَيرٍ وإيتائه، ونَصَر اللهُ المسلمين: آتاهمُ الظّفرَ على عدوِّهم، ينصرهم نَصْرًا.

وانتصر: انتقم، وهو منه.

وأمَّا الإتيانُ فالعرب تقول: نصرت بَلَدَ كذا، إذا أتيتَه، قال الشَّاعر:

إِذَا دخَلَ الشُّهْرُ الْحَرَامُ فَوَدِّعِي        بِلاَدَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِرِ
 

ولذلك يسمَّى المطرُ نَصْرًا.

ونُصِرتِ الأرضُ، فهي منصورة، ونَصَرَ الغيثُ الأرضَ؛ أي: غاثَها.

ونُصِرَتِ الأرضُ فهي مَنْصورَةٌ؛ أي: مُطِرَتْ، والنَّصْر العَطاء، قال:

إِنِّي وَأَسْطَارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا        لَقَائلٌ يَا نَصْرُ  نَصْرًا  نَصْرا
 

نَصَرَ المَظْلومَ نَصْرًا ونُصورًا: أعانَهُ، ونصر الغَيْثُ الأرضَ: عَمَّها بالجَوْد، ونَصَرَهُ منه: نَجَّاهُ وخَلَّصَهُ، وهو ناصِرٌ ونُصَرٌ - كصُرَدٍ - من قومٍ نُصَّارٍ وأنْصارٍ ونَصْرٍ، كصَحْبٍ.

والنَّصيرُ: الناصِرُ، وبهذا سمي أنْصارُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بهذا الاسم، فقد غَلَبَتْ عليهمُ الصِّفَةُ، ورجلٌ نَصْرٌ، وقومٌ نَصْرٌ، والنُّصْرَةُ: حُسْنُ المَعونَةِ.

والاسْتِنْصارُ: اسْتِمْدادُ النَّصْرِ، والسُّؤالُ، نُصِرَت البلاد إِذا مُطِرَت، فهي مَنْصُورة؛ أَي: مَمْطُورة، ونُصِر القوم إِذا أُغِيثُوا، وفي الحديث: ((إِنَّ هذه السَّحابةَ تَنصُر أَرضَ بني كَعْب))؛ أَي: تُمطرهم.

والنَّصْر العَطاء، قال رؤبة:

إِنِّي وَأَسْطَارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا        لَقَائلٌ يَا نَصْرُ  نَصْرًا  نَصْرا
 

ونَصَره ينصُره نَصْراً: أَعطاه، والنَّصائِرُ: العطايا، والمُسْتَنْصِر السَّائل، ووقف أَعرابيّ على قوم فقال: انْصُرُوني نَصَركم الله؛ أَي: أَعطُوني أَعطاكم الله.

بين الفتح والنصر:
النصر - مما سبق -: كلمة جامعة للظفر والخير والعطاء، وليس هناك خير أفضل من أن يعم البسيطة الدين الحق، الذي هو مصدر كل خير وبركة؛ لقول الحق - سبحانه -:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 – 12]، وفي هذا إثبات بأن الخير لا يعمُّ الفرد أو الأسرة أو المجتمع أو الأمة، إلا بالرجوع للحق؛ {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ} [آل عمران: 19]، وقد أضيفت هذه الكلمة إلى رب العزة في هذه السورة الكريمة؛ ليزداد المعنى عظمةً وخيرًا، فما أسعد القوم إذا عمهم نصر الله - تعالى.

و فيما يخص {الفتح}، نقول: فَتَحْتُ الباب فانفتح، وفَتَّحْتُ الأبوابَ - شدّد للكثرة - فَتَفَتَّحَتْ هي، وبابٌ فُتُحٌ؛ أي: واسع مفتوح، وقارورة فُتُحٌ؛ أي: واسعة الرأس، قال الكسائي: ليس لها صِمامٌ ولا غلافٌ، وهو فُعُلٌ بمعنى مفعول، واستفتحتُ الشيءَ وافتتحتُهُ، والاستفتاح: الاستنصار، والمِفتاح: مفتاحُ البابِ وكلِّ مستغلق، والجمع: مفاتيحُ، ومَفاتِحُ أيضًا، والفَتْحُ النصر، فقد التقى {النصر} مع {الفتح} في المعنى، وهو اشتراك يدل على زيادة في الخير والظفر.

والفَتْحُ الماء يجري من عينٍ أو غيرها، وفاتحة الشيء: أوَّلُه؛ مثل فاتحة الكتاب، والفَتَّاحُ: الحاكم، هو اسم من أسماء الله الحسنى؛ قال تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ}[سبأ: 26]، وتقول: افْتَحْ بيننا؛ أي: احْكم، والفُتاحة بالضم: الحُكْم، والفَتوحُ من النوق: الواسعة الإحليلِ، تقول منه: فَتَحَتِ الناقة وأفْتَحَتْ، فَعَلَ وأفْعَلَ بمعنًى.

والاسْتِفْتاحُ: الاسْتِنْصارُ، والافْتِتاحُ، ومن هنا نفهم وندرك أن {الفتح} و{النصر} يسيران معًا، فأول الأمر النصر والظفر، ثم يأتي الفتح، كقول أبي تمام:

فَتْحٌ   تُفَتَّحُأَبْوَابُ   السَّماءِ    لَهُ        وتَبْرُزُ الأَرْضُ في أَبْرَادِهَا القُشُبِ
 

و على ذلك - والله أعلم - جاء في الآية الثانية فعل الدخول، فلن يكون دخول بدون فتح، وجاء بصيغة المضارع الذي يفيد التحول والاستمرار، فكأن هذا الفتح ليس مقصورًا على زمن محدد أو مكان؛ بل هو مستمر ما دامت هذه الدنيا، فنصر الله ممتد إلى قيام الساعة.

شروط بقاء النصر والفتح:
"قيدوا النعم بالشكر"، هذه حقيقة أزلية تؤكدها الآية الثالثة من هذه السورة الكريمة، فلكي نحافظ على تأييد الله - تعالى – لنا؛ لا بدَّ من هذه الشروط:

1 - التسبيح:  
وهذه سلسلة من الأحاديث توضح دور التسبيح وفضله؛ فعَنْ أَبي ذَرٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((أَلا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلى اللهِ؟))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلى اللهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَحَبَّ الْكَلامِ إِلى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ))؛ أخرجه مسلم والنسائي، وَفي رِوَايَةٍ لمُسْلم: أََنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُِئلَ: أَيُّ الْكَلامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلائِكَتِهِ - أَو لِعِبَادِهِ -: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ)).

وَعَنْ عَبدِاللهِ بنِ عَمرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الْجَنَّةِ))؛ أخرجه البزار بإسناد جيد.

وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلى اللِّسانِ، ثَقِيلَتَانَ في المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلى الرَّحْمنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ))؛ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

2 - الاستغفار؛ أي: طلب الغفران والعفو.

3 - التوبة؛ أي: العودة والأوبة إلى الله تعالى.

هذا،، والله أعلم.